قضايا

بعد اختبارات الفيضانات… افتحاص لوزارة الداخلية يكشف اختلالات جسيمة في دراسات مشاريع بنية تحتية

كشفت عملية تقييم ومراقبة مشتركة بين مصالح وزارة الداخلية وقطاع التجهيز عن اختلالات خطيرة شابت خبرات تقنية أنجزتها مكاتب دراسات كانت مكلفة بمواكبة مشاريع بنية تحتية بعدد من الجماعات الترابية، وذلك عقب الأضرار التي خلفتها الفيضانات الأخيرة، والتي عرّت هشاشة عدد من المنشآت وعدم قدرتها على الصمود.

وحسب معطيات متطابقة، فقد توصلت جماعات ترابية بلائحة تضم أسماء مكاتب دراسات تم تسجيل ملاحظات تقنية جسيمة بخصوص أعمالها، بعد أن خلصت لجان المراقبة إلى أن السبب الرئيسي لانهيار أو تضرر مشاريع طرقية ومنشآت مائية يعود بالأساس إلى ضعف الدراسات القبلية وغياب الخبرة اللازمة في مراحل الإعداد والتصميم.

وفي ضوء هذه النتائج، بادرت مديريات إقليمية للتجهيز إلى اتخاذ إجراءات زجرية في حق عدد من المكاتب المعنية، من بينها حرمانها من المشاركة في طلبات عروض جديدة تخص مشاريع تنجز لفائدة الجماعات الترابية، وذلك إلى حين تسوية وضعيتها أو إعادة النظر في اعتمادها، بناء على التقارير التقنية المنجزة.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق تفعيل المقتضيات الجديدة المؤطرة لصفقات الخبرة والدراسات، والتي تخول للجهة صاحبة المشروع صلاحية تعليق أو سحب اعتماد مكتب الدراسات، بناء على رأي صادر عن لجنة الاعتماد المختصة، في حال ثبوت الإخلال بالشروط التي تم على أساسها منح الاعتماد. كما تلزم النصوص القانونية المكاتب المعتمدة بالتبليغ عن أي تغيير يطرأ على وضعيتها المهنية أو التقنية داخل أجل محدد، تحت طائلة سحب الاعتماد المرتبط بالنشاط المعني.

وفي موازاة ذلك، رفعت تقارير رسمية إلى رئاسة الحكومة نبهت إلى ممارسات غير سليمة في تدبير صفقات الدراسات والخبرة، من بينها رصد اعتمادات مالية ضخمة لدراسات اعتُبرت غير ضرورية، أو تفويت مهام متكررة تتعلق بالمشروع نفسه، دون احترام معايير الكفاءة والتخصص. كما سجلت هذه التقارير حالات احتكار شبه دائم لبعض مكاتب الدراسات لصفقات تهم قطاعات أو مؤسسات بعينها، وسط شبهات تتعلق بتضارب المصالح والتلاعب في المساطر.

وعلى المستوى القضائي، تواصل النيابة العامة تتبع ملفات تتعلق بصفقات وصفت بالوهمية أو المشوبة باختلالات، حيث تمت إحالة عدد منها على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية من أجل تعميق البحث، في قضايا يُشتبه في تورط منتخبين، من ضمنهم مسؤولون سبق أن تحملوا مهام حكومية.

وأفادت المعطيات نفسها أن الأبحاث الجارية بخصوص وثائق وسجلات مكاتب دراسات، إلى جانب ملفات تدبير رؤساء جماعات ترابية، أفضت إلى توسيع دائرة الاشتباه لتشمل برلمانيين ورؤساء مجالس أخرى، تبين أنهم تعاملوا لسنوات مع المكاتب نفسها التي تحوم حولها الشبهات.

وفي سياق تشديد الحكامة، وجّهت رئاسة الحكومة منشوراً رسمياً إلى الوزراء والوزراء المنتدبين والمسؤولين السامين، دعت فيه إلى إخضاع طلبات العروض الخاصة بالدراسات لترخيص مسبق، مع التأكيد على ضرورة ترشيد النفقات المرتبطة بمكاتب الخبرة. كما شدد المنشور على أهمية استثمار الكفاءات والأطر المتوفرة داخل الإدارات العمومية، كلما أمكن ذلك، تفادياً لتكرار دراسات مماثلة دون مبررات موضوعية، واحتراماً لتوجيهات التدبير الرشيد لنفقات التسيير.

ويعكس هذا التوجه الرسمي إرادة واضحة لإعادة ترتيب مجال صفقات الدراسات والخبرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية وحماية الأرواح والممتلكات، بعدما كشفت الكوارث الطبيعية الأخيرة كلفة الإهمال وضعف التخطيط على المستويين المالي والإنساني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى