برلمان الغائبين: دورة تشريعية بلا أثر.. برلمان “الصمت المريح”: غياب جماعي، مصالح ضيقة، وتواطؤ ضد الحقيقة

لا يمكن أن تستقيم الديمقراطية في غياب برلمان فعّال، حاضر، ونزيه. لكن الواقع الذي تعيشه المؤسسة التشريعية في المغرب يكشف عن أعطاب بنيوية، لعل أبرزها تفشي ظاهرة الغياب البرلماني، والتي تحوّلت من استثناء إلى قاعدة، ومن تقصير عرضي إلى سلوك سياسي مقلق لا يوازي حجم المسؤولية ولا احترام ثقة المواطن.
فخلال الدورة التشريعية الأخيرة التي اختُتمت أمس الإثنين ، سُجّلت نسب غياب صادمة عن الجلسات العامة وأشغال اللجان، وصلت في إحدى المحطات المفصلية – التصويت على مشروع القانون الجنائي – إلى غياب أكثر من 300 نائب من أصل 395، تاركين حفنة لا تتعدى 45 برلمانياً لتقرير مصير قوانين تهم ملايين المغاربة.
■ الحضور الموسمي وريع “الصفة”
الأغرب من كل ذلك، أن العشرات من النواب والمستشارين الذين يتقاضون تعويضات سخية من المال العام، لا يُشاهدون تحت قبة البرلمان إلا خلال مناسبة واحدة: افتتاح الدورة الخريفية بحضور جلالة الملك. لحظات تهافت على الحضور الإعلامي أكثر منها أداء للواجب التمثيلي.
فكيف يُعقل أن يتم تخصيص ميزانية ضخمة للتعويضات والتنقل والإقامة، لنواب لا يشاركون فعلياً في النقاشات ولا يصوتون على القوانين؟ أين مبدأ ربط الأجر بالمردودية؟ بل أين العدالة المؤسساتية عندما نساوي بين النائب المواظب والغائب المزمن؟
■ البرلمان بلا تخليق… معادلة تهدد التوازن السياسي
إن استمرار هذا الوضع دون قوانين صارمة تُنظم الحضور وتُحاسب المتغيبين، يُهدد الثقة في المؤسسات، ويفرغ العمل البرلماني من مضمونه. بل أكثر من ذلك، فإنه يضعف المصداقية السياسية ويُغذي الشعور باللامبالاة لدى فئات واسعة من الشعب، التي باتت ترى في البرلمان مجرد امتياز رمزي لا أثر له في واقعها اليومي.
لقد دعت الرسائل الملكية، مراراً وتكراراً، إلى تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن واقع المؤسسة البرلمانية لا يعكس هذا التوجه. بل إننا نُسجل تراجعاً في الحضور، وضعفاً في النقاشات، وغياباً تاماً للإرادة في تفعيل آليات المحاسبة الداخلية.
■ غياب الرقابة.. والتستر على الغياب
لا تقتصر المشكلة على الغياب فقط، بل تمتد إلى غياب الرقابة على هذا الغياب. مكاتب المجلسين تتعامل بليونة غير مفهومة، فلا يتم نشر لوائح المتغيبين، ولا يُفعّل الخصم من التعويضات إلا نادراً، ولا تُحرك المسطرة التأديبية إلا في حالات معزولة لا تؤسس لردع عام.
الأدهى من ذلك، أن عدداً من البرلمانيين لا يشاركون في النقاشات، ولا يُقدّمون تعديلات، ولا يطرحون أسئلة، ومع ذلك يستمرون في الاستفادة من الامتيازات وكأن شيئاً لم يكن. إنها صورة لمؤسسة تحتاج إلى إصلاح هيكلي عاجل، يعيد الاعتبار للتمثيلية ويعيد الثقة للمواطن.
■ نحو قوانين حازمة ومحاسبة شفافة
لقد حان الوقت للتفكير الجدي في إصلاح جذري للنظام الداخلي للمؤسسة التشريعية، يضمن الحضور الإجباري، ويُفعل مبدأ الأداء مقابل التعويض، ويتيح للرأي العام متابعة عمل ممثليه بشفافية كاملة.
بدون هذه الخطوات، فإن البرلمان سيستمر في فقدان مكانته الرمزية والوظيفية، وسيتحول تدريجياً إلى غرفة شكلية تُمرر ما يُقدّم لها، دون روح ولا حيوية سياسية.
■ لا ديمقراطية بدون برلمان مسؤول
إذا كانت الديمقراطية تقوم على التمثيل الحقيقي، فإن غياب البرلمانيين عن مواقع القرار، وعدم تفاعلهم مع القضايا الوطنية، يُعتبر خللاً جوهرياً لا يمكن تجاهله. فلا تنمية بدون مساءلة، ولا ثقة بدون حضور، ولا برلمان قوي بدون تخليق شامل للقواعد التي تحكم أداءه.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا: من القطع مع الريع البرلماني، ومن وضع حد للغياب غير المبرر، ومن إعادة الروح إلى مؤسسة تمثل إرادة الأمة، لا فقط صفةً رسمية في بطاقة تعريف.






