صحة

انفجار الغضب الشعبي: احتجاجات تطالب بـ”إنقاذ الصحة” … والتهراوي وأخنوش في مرمى النيران

تحقيق خاص: فاس24

لم تعد صرخات المرضى داخل أقسام الاستعجالات المزدحمة، ونوبات اليأس التي يعيشها أقاربهم، حبيسة جدران المستشفيات العمومية. فقد انفجر الغضب المتراكم لسنوات إلى الشارع، مُتحولاً إلى احتجاجات شعبية عارمة تندد بـ”تدهور المنظومة الصحية” و”تهريب الكفاءات” و”غياب الحلول”، في مشهد يتكرر من أكادير المطلّة على المحيط إلى أسفي الصناعية وصولاً إلى تاونات في العمق القروي، في تحدّ صارخ للخطاب الرسمي المطمئن.

وقفة الاحتجاج: ردة فعل على خطاب لا يقترن بالفعل

جاءت وقفة الأحد الاحتجاجية في أكادير وغيرها بعد نحو ثلاثة أيام فقط من ظهور إعلاميّ مثير لرئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تحدّث فيه عن “نقلة نوعية” للمستشفيات العمومية في المغرب وصفها بأنها كفيلة بوضعها على “قدم المساواة مع المستشفيات الخاصة”.و يبدو أن هوة سحيقة تفصل بين خطاب المسؤول وواقع الحال في الميدان, حيث لم يجد المواطنون في كلمات رئيس الحكومة سوى وعوداً أجوف تكررت على مدى سنوات، بينما ظلت الأقسام مكتظة والتجهيزات ناقصة والكوادر مهاجرة.

أخنوش: من “رجل المال” إلى مُدبّر “القطاعات العجاف”

لم تنجح حكومة أخنوش، التي تقاربت سنتها الخامسة، في تبديد مخاوف المغاربة، بل على العكس، ينتقدها مراقبون بسبب فشلها الذريع في تدبير عدة قطاعات وزارية حيوية، وخاصة تلك التي لها علاقة مباشرة بعصب حياة المواطنين، كالصحة والتعليم. وقد عززت هذه الاحتجاجات الانطباع السائد لدى كثيرين بأن “السنوات العجاف” التي وعد بها قد حلّت على الخدمات العمومية، بينما استفاد رجال المال والأعمال من سياسات الحكومة.

ويتساءل كثيرون عن حكمة تسليم مفاصل قطاعات استراتيجية إلى وزراء يوصفون بأنهم من مقربي دائرة رئيس الحكومة ورجاله، في مشهد يُذكر بما عرفته بلدان عربية أخرى من “تحالفات السلطة والثروة” على حساب جودة الخدمات العمومية. هذا النموذج في التدبير، القائم على الخصخصة ونهج المقاربة التجارية البحتة، يبدو أنه قد فشل فشلاً ذريعاً عندما تم تطبيقه على ملف اجتماعي حساس مثل الصحة.

احتجاجات كالنار في الهشيم: من الجنوب إلى الشمال

شهدت مدينة أكادير الأسبوع الماضي احتجاجات حاشدة أمام المستشفى الإقليمي، رفع خلالها المتظاهرون لافتات كُتب عليها “نستحق علاجاً لائقاً” و”لا للموت صمتاً في المستشفيات”. لم تكن المشاهد مختلفة في أسفي، حيث خرج العشرات أمام المستشفى الإقليمي مولاي عبدالله احتجاجاً على ما وصفوه بـ”الانهيار التام” للخدمات الصحية، مُطالبين بإقالة المدير وتجهيز المستشفى بشكل عاجل.

وفي تاونات، التي طالما عانت من تهميش الخدمات الأساسية، عادت الاحتجاجات إلى الواجهة، حيث طالب سكان المنطقة بمستشفى يليق بإنسانيتهم، بعد أن أجبرهم واقعهم المرير على قطع عشرات الكيلومترات لتلقي أبسط العلاجات في مدن مجاورة.

هذه الاحتجاجات ليست منعزلة، بل هي حلقة من سلسلة متصلة من الغضب الشعبي الذي يشهد تصاعداً ملحوظاً، حيث تنتقل عدوى الاحتجاج من مدينة إلى أخرى كالنار في الهشيم، كلما نشر مواطن صورة لمريض مضطر للنوم على الأرض، أو خرج خبر عن وفاة بسبب نقص المعدات أو تأخر الإسعاف.

الوزير التهراوي في مرمى النيران

في قلب هذه العاصفة، يجد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، “التهراوي”، نفسه في مرمى نيران النقابات والجمعيات والمواطنين على حد سواء. ويتساءل مراقبون عن جدوى الخطط الإصلاحية التي تطلقها الوزارة، مثل برنامج “دعم التغطية الصحية الشاملة”، في ظل استمرار المشاهد المأساوية نفسها داخل المستشفيات،وهو ما بات يشجع المواطنين للمشاركة في الإحتجاجات القادمة.

وتوجه اتهامات مباشرة للوزارة بـ”الترميم السطحي” و”غياب الرؤية الإستراتيجية الحقيقية” لإنقاذ القطاع، و”عدم الاستماع لنداءات الاستغاثة” التي يطلقها العاملون في الميدان يومياً. ويطالب محتجون ونشطاء بإجراءات عاجلة وغير مسبوقة، تبدأ بفتح حوار وطني صريح مع جميع الفاعلين، وزيادة هائلة في الميزانية، ووقف نزيف الكفاءات عبر تحسين ظروف العمل، قبل فوات الأوان.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبحت المستشفيات العمومية المغربية على حافة الانهيار التام؟ وإلى متى سيبقى المواطن يدفع ثمن سياسات الصحة الفاشلة بكرامته وحياته؟

الشارع المغربي يبدو أنه بدأ يكتب إجابته بنفسه، عبر احتجاجات قد لا تكون الأخيرة إذا لم تتحول الصحة من شعارات انتخابية إلى أولوية وطنية فعليّة، تُترجم على أرض الواقع بأسرة كافية وأطر راضية ومواطن مُحْتَرَم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى