انطلاق مشاورات “الجيل الجديد من برامج التنمية” في الأقاليم: مسار ملكي لـ “تدارك الفوارق” ومحاسبة النخب

انطلاقاً من التوجيهات الملكية السامية في خطابات العرش والافتتاح التشريعي، والتي دعت الحكومة إلى اعتماد “جيل جديد من برامج التنمية الترابية” يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، تشهد مختلف العمالات والأقاليم بالمملكة جولة مكثفة من الاجتماعات التشاورية الموسعة. هذا الحراك التنموي يؤكد أن المغرب يطمح بجدية إلى تحقيق العدالة المجالية، وقطع الطريق على سيناريو “مغرب يسير بسرعتين”.
الرؤية الملكية: لا للتنمية الاقتصادية دون تحسين لعيش المواطنين
أكدت التوجيهات الملكية بوضوح أنه لن يكون هناك رضا عن أي تنمية اقتصادية أو إنجازات في البنيات التحتية، ما لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين في جميع الفئات والمناطق. هذه الرؤية تضع المواطن في صلب اهتمامات “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”، وتدعو إلى مقاربة ناجعة في التخطيط وبرمجة المشاريع، مع إيلاء الاهتمام لـ التدبير الاستباقي للموارد المائية ومشاريع التأهيل الترابي المندمج.
المشاورات الراهنة تأتي لتفعل مبدأ الجهوية المتقدمة والتكامل والتضامن بين المجالات، وتطالب النخب المحلية بالارتقاء إلى مستوى هذه الرؤية الطموحة، والكف عن التأخر عن الركب الملكي في زمن يتطلب السرعة والفعالية.
رسائل القيادات الترابية: بين “العدمية” وواجب الإنجاز
في سياق هذه الاجتماعات، وجهت القيادات الترابية العليا رسائل صارمة للمنتخبين والفاعلين المحليين. فالمطلوب اليوم هو تغيير العقلية وضرورة أن تتجسد نية خدمة المواطنين كجوهر العمل العمومي. ولقد تم التأكيد على:
- إيقاف “العدمية”: رفض اللغة السلبية في تناول المشاكل والتحلي بروح الإيجابية وقول الحقيقة.
- تحديد الأدوار: فدور المسؤول/المنتخب هو العمل والتنفيذ وتقديم الحلول الملموسة، بينما يقتصر دور المجتمع المدني على رفع المطالب وممارسة الرقابة.
هذا التمييز يضع المنتخبين أمام مسؤولياتهم المباشرة في تحقيق التنمية، ويطالبهم بالكف عن تبني لغة “المطالبة” التي تتناسب مع الفاعل المدني، وليس مع صاحب القرار والمُنفِّذ.
القطاع الصحي ونقمة “سوء التوزيع”: العمق غير متوفر
تتطرق المشاورات بصدق إلى الاختلالات القطاعية الهيكلية، ويبقى قطاع الصحة هو النموذج الأكثر إيلاماً. فبينما قد تتوفر بعض المناطق الحضرية على معدلات أسرة طبية جيدة، تظل المشكلة الرئيسية في سوء التوزيع للموارد البشرية والطبية على مستوى الإقليم والجهة.
هذا الإقرار الرسمي، الذي يؤكد أن الأطباء يتركزون في المراكز الكبرى على حساب المناطق القروية والنائية، يؤكد ضرورة أن تكون البرامج الجديدة بمثابة “علاج جذري” لاكتشاف هذه التفاوتات، وتوفير حلول هيكلية عادلة تضمن حصول سكان “العمق” على خدمات صحية ذات جودة، بدلاً من الاعتماد على الحملات الترقيعية المؤقتة.
المحاسبة والشفافية: ضمان نجاح الجيل الجديد
شدد المسؤولون الترابيون على أن هذا الورش التنموي الجديد يرتكز على مبدأ المحاسبة والشفافية. وأكدوا أن نجاح هذه البرامج يستلزم انخراط الجميع، عبر:
- التشخيص الترابي الدقيق: بناء البرامج على تشخيص واقعي لحاجيات المواطنين.
- المقاربة التشاركية: الإنصات الفعلي للمواطنين والفاعلين المحليين، وإشراكهم في لجان موضوعاتية.
- الحكامة الصارمة: التأكيد على أهمية استرجاع العقارات الجماعية التي تم الاستحواذ عليها بطرق غير قانونية، والتشديد على الحفاظ على الموارد المالية للجماعات الترابية.
إن هذه المشاورات ليست مجرد لقاءات شكلية، بل هي فرصة تاريخية لإرساء ثقافة جديدة في التدبير العمومي، أساسها الوضوح، الإيجابية، والالتزام بالإنجاز، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة مبنية على النتائج.






