الهرهورة تغرق في النفايات.. وصفقة برلماني من الأحرار تفضح واقع التدبير الحزبي

في مشهد صادم يعري واقع التدبير المحلي ويطرح علامات استفهام مقلقة حول مدى التزام الحكومة بشعارات الحكامة والشفافية، تعيش جماعة الهرهورة، إحدى أكثر الواجهات السياحية حساسية قرب العاصمة الرباط، فضيحة من العيار الثقيل بسبب تدهور قطاع النظافة إلى مستويات بدائية، وسط اتهامات صريحة لبرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار بتورط شركته المفوض لها تدبير القطاع في تسيير كارثي للصفقة العمومية.
القضية التي أثارت غضب الساكنة وتنديد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تتعلق بمجرد تأخر عابر أو خلل عرضي، بل بمشهد فاضح حيث يتم جمع النفايات المنزلية باستخدام جرافة (تراكس) بدل الشاحنات المتخصصة، بسبب تعطل شامل لأسطول الشركة، رغم أنها لا تزال في سنتها الثانية من التدبير بعد فوزها بصفقة بقيمة تجاوزت مليار و126 مليون سنتيم!
شركة برلماني.. وصفقة فاحت منها رائحة الزبونية
الشركة، التي يديرها برلماني تجمعي معروف بنفوذه وسط حزبه، لم تكتف بالفشل في تقديم خدمات محترمة، بل عجزت حتى عن دفع أجور عمالها لشهرين متتاليين، في ظل شكاوى متكررة من الساكنة بسبب الانتشار الفاضح للأزبال وتراجع النظافة، خصوصاً في عز موسم الاصطياف حيث تعرف الهرهورة إقبالاً كثيفاً من الزوار والمصطافين.
المثير أكثر أن رئيس الجماعة ينتمي هو الآخر إلى نفس الحزب، ما يطرح أسئلة حارقة حول شبهات تضارب المصالح، والتواطؤ السياسي، واستغلال الموقع التمثيلي لتمرير صفقات على المقاس، بعيداً عن معايير الكفاءة والمراقبة المفترضة في مثل هذه المشاريع ذات البعد البيئي والاجتماعي الحساس.
دفتر التحملات.. مجرد حبر على ورق؟
الصفقة، التي وُقعت بموجب عقد تدبير مفوض لمدة 7 سنوات، يُفترض أن تُواكب عبر أسطول عصري، وموارد بشرية مهيكلة، وخدمات عالية الجودة، لكن الواقع يُظهر أن كل ما كُتب في دفتر التحملات تحول إلى حبر لا أثر له على الأرض، بينما يدفع المواطنون ثمن عبث سياسي مقنّع بثوب الاستثمار.
فمن يراقب مدى احترام الشركة لبنود العقد؟ أين الجماعة من التتبع؟ ولماذا يتم غض الطرف عن هذا التدهور الخطير؟ والأهم: من يحاسب برلمانياً يتقلد صفة تشريعية، ويمارس نشاطاً مقاولاتياً في نفس مجال التدبير العمومي؟
الهرهورة تعيش التهميش في ظل “الدولة الاجتماعية”
ما حدث ويحدث في الهرهورة يُشكل مفارقة صارخة. ففي الوقت الذي تتغنى فيه الحكومة بشعار “الدولة الاجتماعية”، وتدّعي محاربة الفوارق المجالية، نجد أن مدينة سياحية مثل الهرهورة تعاني من هشاشة خدمية وبيئية غير مسبوقة، تُدار فيها النفايات بجرافة وكأننا في قرية نائية، وليس في شريط ساحلي يشهد دينامية عمرانية واقتصادية كبيرة.
وفي تصريح ساخر يعكس حجم الخيبة، كتب المستشار الجماعي السابق سعيد بولخير:
“في جماعة الهرهورة، القريبة من العاصمة الرباط، أصبحت النفايات تُجمع بـ’تراكس‘، فما الذي تبقى لسكان المناطق الجبلية؟”
من البرلمان إلى حاويات الأزبال.. تضارب المصالح في أوضح صوره
ما يجري اليوم يُعيد فتح ملف حساس ظل يُناقش في الكواليس طويلاً: هل من المنطقي أن يتورط برلمانيون في تدبير صفقات عمومية؟ وهل الصفة التمثيلية باتت غطاءً لنسج علاقات نفعية مع الجماعات التي يديرها حزبيون من نفس التنظيم السياسي؟ أليست هذه هي الزبونية بعينها، تتجسد على الأرض بشكل قانوني ولكن بمنطق الريع؟
اليوم، لا يمكن السكوت عن هذه التجاوزات، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق فقط بنظافة، بل بكرامة المواطن، وبصورة الإدارة، وبهيبة الدولة. والمطلوب فتح تحقيق عاجل من طرف المجلس الأعلى للحسابات، ومفتشيات وزارة الداخلية، ومصالح وزارة الاقتصاد والمالية، لتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تورط في هذا العبث.
ما جرى في الهرهورة ليس حالة استثنائية، بل نموذج مفضوح لكيف يتحول المنصب الانتخابي إلى مدخل للصفقات، وكيف تُستباح الأموال العمومية باسم التنمية، بينما يُترك المواطن يُصارع التهميش في مدن مصنفة سياحية.
الحزبية والصفة البرلمانية.. الطريق المختصر نحو الصفقات المشبوهة
وليس ما يقع في جماعة الهرهورة سوى رأس جبل الجليد لواقع أوسع يتكرر في جهات متعددة من المملكة. ففي جهة فاس مكناس، تبرز حالة أخرى مثيرة للقلق، بطلها برلماني يملك شركة خاصة لتدبير قطاع النظافة، غالباً ما تُتهم بالفشل في عدد من الصفقات التي فازت بها في ظروف لا تخلو من الغموض.
رغم سلسلة من الشكاوى من السكان والمجتمع المدني بشأن رداءة الخدمات، إلا أن هذه الشركة ظلت تُمنح صفقات التدبير المفوض واحدة تلو الأخرى، مما يعيد طرح سؤال جوهري: هل تحوّلت الصفة البرلمانية إلى أداة فعالة لاقتناص الصفقات العمومية؟ وهل أصبحت الحزبية شبكة حماية توفر الامتيازات بدل أن تحمي الصالح العام؟
هذا النموذج، إلى جانب حالة الهرهورة، يكشف كيف أن الانتخابات صارت تُستغل ليس من أجل التشريع أو الرقابة، بل من أجل تثبيت النفوذ الاقتصادي، وتسخير التمثيلية السياسية كممر آمن نحو المال العمومي. وهنا تتقاطع المصالح، وتُختزل التنمية في رقم الصفقة وليس في جودة الخدمات.





