سياسة

الملك محمد السادس يُعلن عن “وثيقة العهد الجديد”: مشروع قانون مالية 2026 يرفع رهان الدولة الاجتماعية والاقتصاد الصاعد

ترأس الملك محمد السادس اليوم الأحد بالقصر الملكي بالرباط مجلساً وزارياً، شكل نقطة تحول مفصلية في مسار الإصلاحات الوطنية، حيث تجاوز مجرد التداول في مشروع قانون المالية لسنة 2026 إلى المصادقة على حزمة من القوانين التنظيمية والاتفاقيات الدولية والتعيينات العليا، تهدف إلى دفع المملكة إلى مصاف القوى الاقتصادية الصاعدة. لقد جاءت التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لعام 2026 مُحددة بأربع أولويات كبرى، تضع المواطن، والاستثمار، والحكامة في صلب الاستراتيجية الحكومية للعام القادم.

الأول: الاندفاع الاقتصادي وتحصين المكتسبات لـ”صعود الدولة”

تتمثل الأولوية الأولى في توطيد المكتسبات الاقتصادية بهدف صريح هو تعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الصاعدة. لتحقيق ذلك، تعتزم الحكومة إطلاق حزمة قوية لتحفيز الاستثمارات الخاصة، سواء الوطنية أو الأجنبية، عبر الإسراع بالتنزيل الفعال لـميثاق الاستثمار، وتفعيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر كرافعة تنموية عملاقة. كما سيتم تكثيف الجهود لتحسين جاذبية مناخ الأعمال وتنويع مصادر تمويل الاقتصاد. وتُولى عناية خاصة للقاطرة الحقيقية للتشغيل: المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وذلك عبر تفعيل آلية جديدة للمساعدة التقنية ودعم مالي مباشر لاستثماراتها يهدف إلى خلق مناصب الشغل وتحقيق العدالة المجالية. وفي سياق لا يغفل التحديات المناخية، سيتم تكثيف الجهود لتقليص آثار الجفاف على التشغيل في المجال القروي ومواصلة دعم مربي الماشية وإعادة تشكيل القطيع الوطني.

الثاني: الثورة المندمجة.. الاستثمار غير المسبوق في الإنسان والأرض

تأتي الأولوية الثانية لتدشن الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة، التي تضع الجهوية المتقدمة ومبدأ التضامن بين المجالات الترابية في المقدمة. ترتكز هذه البرامج على ترصيد الخصوصيات المحلية، مع إعطاء أولوية قصوى لخلق فرص الشغل للشباب والدعم الفعلي لقطاعات التربية والتعليم والصحة، إضافة إلى التأهيل المجالي. وبصفتها أولوية ملكية، سيتم تخصيص مجهود ميزانياتي استثنائي لقطاعي الصحة والتربية الوطنية، ليصل الغلاف المالي الإجمالي المخصص لهما إلى 140 مليار درهم، بالإضافة إلى إحداث أكثر من 27,000 منصب مالي جديد.

يشهد قطاع الصحة نقلة نوعية عبر التركيز على تحسين العرض في البنيات التحتية، حيث سيتم افتتاح المركزين الاستشفائيين الجامعيين في أكادير والعيون، واستكمال أشغال بناء وتجهيز مستشفى ابن سيناء بالرباط، والمضي قدماً في بناء مراكز جامعية أخرى، والأهم هو إطلاق عملية تأهيل وتحديث 90 مستشفى (وهو رقم يعكس التزاماً قوياً). بالتوازي، يتم تسريع تنزيل خارطة الطريق لإصلاح المنظومة التربوية عبر تعميم التعليم الأولي وتحسين جودة التعليم.

الثالث: تكريس “الدولة الاجتماعية”.. حماية شاملة ودعم سكني ومعيشي

تستمر الحكومة في مواصلة توطيد أسس الدولة الاجتماعية كأولوية ثالثة، عبر الإسراع بتنزيل الورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية. يتضمن ذلك مواصلة برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة 4 ملايين أسرة، مع قرار حاسم يقضي بـالرفع من القيمة الشهرية لإعانات الأطفال بمبالغ تتراوح بين 50 و100 درهم لكل طفل من الأطفال الثلاثة الأوائل، وتفعيل إعانة خاصة للأطفال اليتامى والمهملين. ولضمان تغطية شاملة، سيتم توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل، ومواصلة برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن الرئيسي. هذه الإجراءات تؤكد الالتزام بتوفير شبكة أمان اجتماعي قوية تحصن المواطن من الهشاشة.

الرابع: حكامة مُحكمة وتوازنات مالية لا تُمس

تختتم الأولويات بـمواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى مع الحفاظ الصارم على توازنات المالية العمومية. يُعد إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية أحد أهم هذه الرهانات، حيث يجسد هذا الإصلاح تحولاً عميقاً في نموذج حكامة السياسات العمومية، ويتجه بشكل أكبر نحو المساءلة وربط الأداء بتحقيق النتائج الملموسة. كما يهدف إلى تكريس الالتقائية والتوطين المجالي لتدبير هذه السياسات، لضمان أن تكون الميزانية أداة فعالة لتحقيق التنمية المستدامة والعادلة. إنها مقاربة تضمن قوة الأداء مع صرامة الحساب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى