المغرب يستعد للانتخابات التشريعية 2026: سبعة أهداف لتحصين المسار الديمقراطي

فاس 24: تحليل إخباري
في أعقاب الخطاب الملكي الأخير الذي شدد فيه جلالة الملك محمد السادس على ضرورة مواصلة ترسيخ الخيار الديمقراطي وتعزيز دور المؤسسات المنتخبة، دخلت الحكومة مرحلة جديدة من الإعداد الجاد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في محاولة لكسب رهان الشرعية الشعبية وتجديد الثقة في العملية الانتخابية، التي طالما طالتها الانتقادات وشابتها مظاهر التراجع والعزوف.
لقاء تشاوري… خطوة أولى في مسار الإصلاح
في هذا السياق، ترأس وزير الداخلية اجتماعًا موسعًا مع ممثلي الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، في خطوة وُصفت بأنها بداية حقيقية لورش إصلاحي غير مسبوق في تدبير العمليات الانتخابية. اللقاء لم يكن شكليًا، بل تضمن الإعلان عن برنامج عمل طموح من سبعة أهداف استراتيجية، مع دعوة مفتوحة للأحزاب لتقديم ملاحظاتها ومقترحاتها قبل نهاية غشت، على أن يُخصص شهر شتنبر للحوار المعمق والتداول، ليُحال بعده النص القانوني المعدل على البرلمان في أكتوبر المقبل.
هذه المقاربة التشاركية، التي تنطلق من إشراك القوى السياسية في صياغة معايير اللعبة الانتخابية، تعد مؤشرا إيجابيا على تحوّل حقيقي في الفلسفة التي تُدار بها المحطات السياسية الكبرى في البلاد.
السبعة الكبار… برنامج الدولة لتخليق السياسة
البرنامج الذي كشفت عنه وزارة الداخلية لا يقتصر على تجميل الصورة، بل يتضمن سبعة محاور تمس عمق الإشكاليات التي لطالما رافقت المسلسل الانتخابي، ويمكن إجمالها كما يلي:
-
تحيين اللوائح الانتخابية: في ظل الشكايات المتكررة حول تكرار الأسماء، وتسجيل الوفيات، والمهاجرين، وعديمي الصفة، يأتي هذا الإجراء كضرورة لضمان قاعدة بيانات دقيقة، تضمن الشفافية وتقطع مع التلاعبات.
-
تخليق الحياة السياسية: بمواجهة صريحة لمظاهر الفساد الانتخابي من شراء ذمم، واستغلال النفوذ، وتوظيف المال الحرام، وذلك عبر وضع آليات رقابية وقانونية صارمة.
-
محاربة العزوف وتحفيز المشاركة: من خلال مبادرات تواصلية ورفع وعي الناخب، لأن ديمقراطية بدون مشاركة واسعة تبقى شكلية وهشة.
-
عقلنة المشهد الحزبي والسياسي: بإعادة النظر في طريقة توزيع الدعم العمومي، وتحفيز الأحزاب الجادة، وخلق شروط منصفة ترفع من جاذبية العمل السياسي لدى الكفاءات.
-
دعم تمثيلية الشباب والنساء: كمؤشر أساسي على نضج المجتمعات، وباعتبارها خطوة نحو تحقيق العدالة التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة.
-
تطوير آليات الإعلام والتواصل السياسي: حتى لا تبقى الحملات الانتخابية حبيسة الأساليب الكلاسيكية، مع الاستفادة من الوسائط الرقمية لتوسيع النقاش العمومي.
-
إعداد لوجيستي وتنظيمي مضبوط: يضمن نجاعة العملية، ويقلل من الاختلالات، ويدفع نحو تنظيم شفاف ومحكم.
الحياد الإداري… وعد الحكومة لاختبار الثقة
وزير الداخلية لم يكتف بعرض البرنامج، بل أرسل رسائل طمأنة مباشرة للأحزاب والمواطنين، مؤكدًا أن الإدارة ستكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأنها ستعمل تحت رقابة قضائية صارمة لضمان النزاهة. هذه الالتزامات لاقت تفاعلًا إيجابيًا من طرف الأحزاب السياسية التسعة الممثلة في البرلمان، والتي عبّرت عن استعدادها للمشاركة في صياغة مقترحات تعزز مناخ الثقة، وتُعيد للمواطنين الإيمان بجدوى التصويت والانخراط في الحياة العامة.
ما المطلوب؟
رغم الإشارات الإيجابية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عرض البرامج أو تنظيم الاجتماعات، بل في التنزيل الملموس للإصلاحات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتصفية المشهد السياسي من الفاعلين الانتهازيين، الذين لا يرون في الانتخابات سوى غنيمة ظرفية.
ينتظر المواطنون قرارات ملموسة تطال المشوشين على إرادة الناخبين، وتعيد الاعتبار للعمل السياسي النزيه، وتحمي مبدأ التنافس الشريف، وتكفل تمثيلية واقعية لا تُبنى على التزوير أو الريع أو استغلال الهشاشة.
هل تتحول 2026 إلى لحظة تحول؟
الاستحقاقات المقبلة قد تكون لحظة مفصلية في تاريخ التحول الديمقراطي بالمغرب، إذا أحسنت الدولة والأحزاب استثمار هذا الورش الوطني المفتوح. فالمشاركة السياسية لا تُفرَض، بل تُحفَّز عندما يثق المواطن في أن صوته لن يُختطف، وأن المؤسسات المنتخبة ستكون في مستوى انتظاراته.
الرسالة اليوم واضحة: الخطاب الملكي وضع الخيط الناظم، والدولة بدأت في نسج مسار جديد، لكن نجاح هذا المسار مشروط بمدى صدق الفاعلين السياسيين والتزام الإدارة، وجرأة التشريع. فهل نحن أمام بداية عهد انتخابي جديد؟ أم أن لوبيات الريع الانتخابي ستنجح في الالتفاف على إرادة الإصلاح كما فعلت من قبل؟
الجواب سيتحدد في شتنبر 2026… وعلى الجميع أن يكون في الموعد.






