“المغرب والعطش القادم: هل تنجح المملكة في تفادي ساعة الصفر المائية؟”

في وقت تتزايد فيه التحذيرات من اقتراب المغرب من حافة أزمة مائية كبرى، أطلق المعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي ناقوس الخطر من خلال تقرير جديد كُشف عنه تحت عنوان: “الماء والمناخ: المغرب عند مفترق الطرق؟”. التقرير لم يكن مجرد جرد لوضع مقلق، بل محاولة جادة لإعادة تشكيل وعي جماعي حول قضية باتت تمسّ صميم الأمن الوطني والوجودي للمملكة.
هذا العمل البحثي، الذي استغرق أكثر من أربعة أشهر من الاشتغال المكثف بمساهمة خبراء من تخصصات مختلفة، قادته المحامية غالية مختاري، وضمّ تحليلات دقيقة لواقع المياه في البلاد، واستشرافًا لسيناريوهات تمتد حتى أفق 2050، مع توصيات وُصفت بالجريئة لاحتواء ما وصفه التقرير بـ”الاختبار الوجودي” المرتبط بندرة المياه.
وقد شكّل التقرير محور حوار مفتوح بين وزير التجهيز والماء، نزار بركة، ورئيس المعهد عبد المالك العلوي، بحضور عدد من الفاعلين والمسؤولين والخبراء، في محاولة لبلورة سياسة مائية تقوم على التخطيط الجماعي، والتفكير بعيد المدى.
ينطلق التقرير من الإقرار بوجود أزمة مائية بنيوية تتعمّق سنة بعد أخرى. أولى الجبهات، حسب المعهد، ترتبط بتراجع الموارد المائية الطبيعية، واشتداد “الإجهاد المائي”، إلى جانب تأثير التغيرات المناخية على الفلاحة، خاصة تلك الموجهة للتصدير، التي أضحت غير متكيفة مع الواقع الجديد.
الجبهة الثانية تسلط الضوء على الرؤية الملكية لتأمين المستقبل المائي للمغرب، والتي ترتكز على ثلاث دعائم: تعميم الولوج إلى الماء الصالح للشرب، لا سيما في القرى والمناطق الهشة، تعزيز الفلاحة المستدامة عبر التحكم في الموارد، ثم الاستثمار في البنية التحتية المائية.
أما الجبهة الثالثة، فتفتح باب النقد على مصراعيه، حيث يسائل التقرير النموذج المائي الحالي، مشيرًا إلى تعثر مشاريع ربط الأحواض، ضعف استعمال المياه المعالجة، وترسب الأوحال في السدود، مع إشارة إلى الحل الواعد عبر تحلية مياه البحر لتأمين نصف الحاجيات الوطنية من مياه الشرب في أفق 2030.
بعيدًا عن التنظير، اقترح التقرير عشر رافعات عملية لإنقاذ المغرب من أزمة المياه، أبرزها:
-
إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمياه
-
تسعير ذكي ومحفّز على ترشيد الاستهلاك
-
تشجيع الزراعات المقاومة للجفاف
-
محاربة الحفر العشوائي عبر مراقبة ميدانية صارمة
-
إلزام المشاريع الاستثمارية بـ”البصمة المائية”
-
إطلاق “أكاديمية الماء” لبناء وعي جديد
-
إحداث مرصد يربط بين الماء والطاقة والفلاحة والبيئة
التقرير لا يكتفي بالتشخيص المحلي، بل يستعرض نماذج ناجحة من دول مثل إسبانيا، الشيلي، والأردن، ليضع المغرب أمام مفترق طرق: إما بناء نموذج جديد لتدبير المياه، أو الدخول في نفق مظلم من العطش والمخاطر البيئية والاجتماعية.
وفي ختام الوثيقة، يجدد المعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي التزامه بلعب دور الخبير المستقل، محذرًا من أن معركة الماء لم تعد محصورة في أنابيب وسدود، بل تحوّلت إلى رهان استراتيجي على بقاء الدولة وسلامة المجتمع.






