قضايا

المغرب في مواجهة عابري السموم: يقظة أمنية وتنسيق سيادي لصدّ تهديدات المخدرات

في زمن تتعقد فيه خريطة الجريمة المنظمة وتتنامى معها التهديدات العابرة للحدود، لا يكاد يمر أسبوع دون أن يُعلن المغرب عن حجز شحنات ضخمة من المخدرات، أو تفكيك شبكات تهريب عابرة للقارات. وسط هذا السياق المتوتر، برزت تحذيرات رسمية جديدة، أطلقها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، تؤكد أن المملكة أصبحت هدفاً مباشراً لشبكات إجرامية دولية، تحاول استغلال موقعها الجغرافي الاستراتيجي كممر رئيسي نحو أوروبا وأمريكا اللاتينية.

الموقع الجغرافي المتميز للمغرب، الذي يربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، جعله محط أطماع شبكات التهريب الدولية، التي لا ترى فيه مجرد نقطة عبور، بل منصة استراتيجية لنقل السموم البيضاء والملونة نحو أسواق العالم. لكن هذا الموقع الذهبي، الذي راهنت عليه الدولة لبناء جسور الاستثمار والربط القاري، أصبح أيضاً مصدر تحدٍّ أمني دائم يتطلب يقظة سيادية شاملة.

تخوض أجهزة الدولة السيادية، بتنسيق كامل بين وزارة الداخلية، والقيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والمديرية العامة للأمن الوطني، معركة يومية ضد هذا المد الإجرامي العابر للحدود. فهذه التهديدات لم تعد تقليدية، بل باتت تستعين بأحدث وسائل التكنولوجيا، وتستخدم مسارات متغيرة تتحدى المراقبة الجمركية والأمنية، ما يجعل من اليقظة الوطنية واجبًا مستمرًا.

وتبرز فعالية هذا التنسيق في العمليات الدقيقة التي تنفذها مختلف الفرق الأمنية، من وحدات المراقبة الجوية والبرية، إلى الأجهزة الاستخباراتية التي تعمل بصمت على تفكيك الشبكات في الداخل والخارج.

مقاربة المغرب في مواجهة آفة المخدرات لم تعد أمنية صرف، بل تحوّلت إلى رؤية شمولية تتعامل مع الظاهرة من الجذور. حيث تعمل الدولة، بتوجيه ملكي مباشر، على الحد من زراعة القنب الهندي غير المشروع في المناطق الجبلية، بالتوازي مع تنزيل قانون تقنين القنب لأغراض طبية وصناعية، في خطوة تهدف إلى إخراج المزارعين من دائرة الاتهام، وتوفير بدائل اقتصادية قانونية.

وفي المقابل، تتواصل الحملات الأمنية لمحاصرة شبكات الترويج الداخلي، خاصة تلك التي تستهدف الشباب عبر الحبوب المهلوسة والمؤثرات العقلية، ضمن استراتيجية وطنية تضع الأمن الاجتماعي في صلب أولوياتها.

بلغ ما حجزته المصالح الأمنية المغربية خلال سنة 2024 أكثر من 344 طنًا من الشيرا، و112 طنًا من نبتة الكيف، إلى جانب أزيد من 2500 كلغ من الكوكايين، وقرابة 1.6 مليون قرص مهلوس، وهي أرقام تكشف الحجم المهول للضغط الذي تواجهه المملكة من طرف مافيات دولية تمتد من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا الشرقية.

لكن في المقابل، تكشف هذه الحصيلة أيضًا عن كفاءة الأجهزة الأمنية المغربية، وعن قدرتها على التكيف مع تطور أساليب التهريب، عبر تجديد أدوات المراقبة، وتأهيل العنصر البشري، واعتماد خطط استباقية تتجاوز مجرد رد الفعل.

الرسالة التي بعث بها وزير الداخلية واضحة: المعركة ضد المخدرات هي معركة سيادة. حماية حدود المملكة، وتجنيب الشباب السقوط في فخاخ الإدمان، والدفاع عن صورة المغرب في المحافل الدولية، كلها رهانات تفرض استمرار التعبئة الشاملة.

في وقت تُراكم فيه مافيات السموم أرباحًا خيالية على حساب الشعوب، يُثبت المغرب مرة أخرى أن أمنه الداخلي ليس ورقة للمساومة، وأن أجهزته الأمنية والعسكرية والاستخباراتية تشتغل في صمت… ولكن بفعالية مذهلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى