مجتمع

المغرب بعد الفياضانات: العودة التدريجية للساكنة، تعبئة المؤسسات وتحديات المساعدة الشاملة

مع تحسن الأحوال الجوية واستقرار الوضع المناخي، بدأت السلطات المغربية تنفيذ خطة تدريجية لعودة السكان الذين أُجلوا من منازلهم بعد الفيضانات التي اجتاحت أجزاء واسعة من شمال وغرب المملكة، خاصة في أقاليم القصر الكبير (إقليم العرائش)، سيدي سليمان، سيدي قاسم والقنيطرة. وقد أعلنت وزارة الداخلية أنه سيتم اليوم الأحد إطلاق المرحلة الأولى من هذه العودة بشكل تدريجي وآمن، بعد استعادة الخدمات الأساسية وتوفير شروط السلامة اللازمة في المناطق المتضررة.

استعادة الحياة تدريجياً في المناطق المتضررة

فبعد أسابيع من المعاناة والعمل الميداني المكثف، أعلنت السلطات المحلية بعمالة إقليم العرائش في بلاغ رسمي أن الساكنة التي أُجلت مؤقتاً يمكنها استعادة منازلها ابتداءً من صباح الأحد 15 فبراير، وذلك بعد أن سمحت تحسن الوضع الميداني بهذا الإجراء. وتم تحديد مجموعة من الأحياء والتجمعات السكنية في مدينة القصر الكبير التي يمكن للسكان العودة إليها تدريجياً، مثل أحياء باب الواد والمدينة القديمة وحي الشريعة، إضافة إلى عدد من الأحياء الأخرى التي عادت لها الخدمات الأساسية.

ولضمان عودة منظمة وآمنة، تم تسخيط وسائل نقل مجانية تشمل قطارات تنطلق من محطة طنجة المدينة نحو القصر الكبير، إضافة إلى حافلات لنقل المعنيين بالمجان من نقاط عدة، ما يسهم في تخفيف العبء على الأسر المتضررة. وقد أُنشئت أيضاً نقاط مراقبة عند مداخل المناطق المعنية لضمان أن عملية العودة تتم فقط للمواطنين الذين صدرت بشأنهم بيانات رسمية وتتوفر في مناطقهم الشروط الصحية والأمنية المناسبة.

تأتي هذه الخطوة في أعقاب إعلان وزارة الداخلية استعداداتها لعودة النازحين الذين أُجلوا من منازلهم في أقاليم القنيطرة، العرائش، سيدي سليمان وسيدي قاسم، بعد تحسن ملحوظ في الأحوال الجوية، ورفع مستوى التأهب، في سياق تشاور وتنسيق مع السلطات المحلية والقطاعات الحكومية المعنية.

جهود استثنائية لإعادة البنية التحتية والخدمات

إلى جانب خطة العودة التدريجية، تستمر السلطات في جهودها المكثفة لإعادة فتح الطرق، تفريغ المياه من الشوارع والمواقع المتضررة، ومراقبة حالة السدود لضمان عدم تكرار الكوارث. وقد تركزت العمل على إزالة الركام والأتربة، وإصلاح شبكات الكهرباء والماء الصالح للشرب، وإعادة وصل خدمات الاتصالات في المناطق التي تعطلت فيها.

وكانت بيانات رسمية تشير إلى أن عمليات التنظيف وإعادة تأهيل المواقع بدأت في 7 فبراير، بالتركيز على الأحياء والقرى التي تسمح فيها الظروف الهيدرولوجية بذلك، مع استمرار فرق متخصصة في مراقبة الشبكات الصحية وضمان بيئة آمنة للسكان العائدين.

برامج الدعم المالي والمساعدات الملكية

على الصعيد الاقتصادي والمالي، خصصت الحكومة برنامج دعم وتعويضات للمتضررين من الفيضانات، يمتد إلى أربعة أقاليم بشكل أساسي بسبب حجم الأضرار الكبيرة، لا سيما بعد امتلاء سد واد المخازن بنسبة تاريخية وصلت إلى 156% من سعته، مما تسبب في فيضان كبير أغرق مساحات واسعة من الأراضي السكنية.

وتشمل هذه التعويضات:

  • صرف 14,000 دولار تقريباً لكل منزل انهار بشكل كامل بسبب الفيضان.

  • صرف 6,000 درهم تقريباً لكل أسرة متضررة بغض النظر عن مدى تضررها.

  • برنامج دعم موجه للفلاحين ومربي المواشي في المناطق المتضررة، عبر دعم اقتناء البذور والأسمدة وغيرها من الاحتياجات الفلاحية لتعجيل استعادة النشاط الزراعي.

كما أعلنت الحكومة تخصيص ميزانية ضخمة تبلغ حوالي 300 مليون دولار لتغطية الاحتياجات العاجلة للمناطق المتضررة من السيول والفيضانات، بهدف ضمان استعادة الحياة الطبيعية في أسرع وقت ممكن.

وقد شددت رئاسة الحكومة على أن لجاناً محلية مختصة ستقوم بحصر دقيق وشامل للمتضررين والممتلكات المتأثرة لضمان العدل والشفافية في تسليم الدعم، مع فتح أرقام هاتفية ومنافذ تواصل مباشرة مع الأسر المتضررة بهدف تبسيط مساطر الاستفادة.

جهود القوى العمومية والمؤسسات الأمنية

منذ اندلاع الأزمة، كانت كافة مؤسسات الدولة في حالة تعبئة مستمرة لمواجهة كارثة الفيضانات، إذ تدخلت:

  • القوات المسلحة الملكية لإسناد عمليات الإجلاء وتأمين المناطق المهددة.

  • الحماية المدنية لتنفيذ عمليات إنقاذ وإجلاء وإسعاف في مواقع الفيضانات.

  • الدرك الملكي و**الأمن الوطني** لضمان الأمن ونظام السير في مناطق الخطر.

  • القوات المساعدة لدعم الاحتياجات اللوجستية في الأقاليم.

  • السلطات المحلية التي أطلقت خطة العودة والإشراف على تنفيذها بشكل محكم.

وقد عملت هذه المؤسسات بتنسيق وثيق لضمان سلامة المواطنين، وتوفير الإعاشة والأغطية والمواد الغذائية في المراكز المؤقتة قبل العودة، كما تعاونت في مراقبة السدود ومسارات الأودية الرئيسية لتفادي حدوث فيضانات مفاجئة جديدة في حال تغير الأحوال الجوية.

نداءات من أقاليم غير مُدرجة بعد ضمن المناطق “المنكوبة”

على الرغم من أن الحكومة صنفت أربعة أقاليم كـ”مناطق منكوبة” رسمياً (العزائش، القنيطرة، سيدي قاسم وسيدي سليمان)، فقد ظهرت نداءات ميدانية من أقاليم أخرى لم يتم إدراجها ضمن التصنيف الرسمي، مثل تاونات، شفشاون، تطوان، الحسيمة، وتازة، بسبب تضرر العديد من الأسر ووقوع أضرار متفاوتة في المنازل والبنية التحتية.

وفي بعض هذه المناطق، تسببت الفيضانات أيضًا في انزلاقات أرضية، عزل قرى وجرف طرق، بل وحتى انهيار جزئي لمنازل، ما دعا سكانها إلى مطالبة الجهات الرسمية بإجراء إحصاء دقيق وشامل للمتضررين في هذه الأقاليم، وتخصيص دعم مماثل لما أقر في الأقاليم الأربعة الرئيسة، خاصة في المناطق الجبلية التي ما زالت تواجه صعوبات في الوصول إليها حتى مع تحسن الطقس.

تقييم وتحليل الخبراء

يرى مسؤولون ومراقبون أن التدخل السريع والشامل من طرف الدولة المغربية في مواجهة أسوأ موجة فيضانات تجتاح البلاد خلال هذا القرن يعكس قدرة مؤسساتها على إدارة الأزمات الكبرى بشكل مستقل دون الحاجة إلى مساعدة خارجية، وذلك بتوجيهات مباشرة من جلالة الملك محمد السادس الذي تابع الوضع عن كثب وأصدر تعليماته بتعبئة كافة الإمكانيات لحماية الأرواح وتقديم الدعم للأسر المتضررة.

كما يشير خبراء إلى أن ضرورة العمل على تحسين شبكات الصرف وأجهزة الإنذار المبكر ومراقبة السدود بشكل دائم يجب أن تُدرج في أولويات الخطط المستقبلية للتقليل من مخاطر حدوث فيضانات مماثلة في السنوات القادمة، وتوفير حماية أفضل للمناطق السكانية والزراعية على حد سواء.

بينما تبدأ الحياة في العودة تدريجياً إلى العديد من المناطق التي اجتاحتها الفيضانات، يبقى العمل مستمراً على عدة أصعدة: إعادة البنية التحتية، دعم المتضررين، وإحصاء دقيق للحالات غير المدرجة بعد، بما يضمن استجابة شاملة ومتوازنة لكل فئات المجتمع المتأثرة. ويبدو أن المغرب، بتعبئته المؤسسية والتنسيق بين مختلف القطاعات، قد وضع قواعد صلبة لإدارة الكوارث الطبيعية والتعافي منها، في مثال يعكس قوة الدولة وقدرتها على مواجهة أخطر التحديات المناخية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى