قضايا

“المرض النفسي في المغرب: ‘القاتل و الوباء الصامت’ يهدد الأمن المجتمعي.. تحقيق خاص لـ [فاس24 ]

إعداد: عبدالله مشواحي الريفي [فاس24]

في أعقاب فاجعة حي كامليا بمكناس و حوادث إبن أحمد بسطات وغيرها، التي هزت الرأي العام المغربي، يعود ملف الصحة النفسية ليطفو على السطح بقوة، مُنذرًا بتصاعد مقلق في الحوادث المرتبطة بالاعتلالات النفسية، والتي بلغت حد ارتكاب جرائم قتل بشعة طالت الأصول. هذا التحقيق الخاص لـ “[فاس24]” يسلط الضوء على واقع انتشار الأمراض النفسية في المغرب، وتداعياتها الأمنية والاجتماعية، ويتقصى الدور (أو غيابه) لوزارة الصحة في مواجهة هذا “الوباء الصامت” الذي يهدد نسيج المجتمع.

أرقام تحت الرماد وقصص مؤلمة: حين يصبح “المريض” خطرًا صامتًا

رغم التعتيم الرسمي على إحصائيات دقيقة وشاملة، تكشف مصادر متطابقة لـ “[فاس24]” عن ارتفاع مقلق في معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية في المغرب. تقارير لمنظمات دولية، كمنظمة الصحة العالمية، تشير إلى أن نسبة المغاربة الذين يعانون من مشاكل نفسية تتجاوز 6%، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.

“[فاس24]” استقت شهادات حصرية من أسر فقدت عزيزًا بسبب تدهور حالته النفسية وعدم تلقيه الرعاية اللازمة. “ابني كان يعاني من اكتئاب حاد لسنوات، طرقنا كل الأبواب لكن دون جدوى. لم نجد طبيبًا نفسيًا قريبًا، والمواعيد كانت بعيدة ومكلفة. انتهى به الأمر بالانتحار، تاركًا حسرة لا تندمل في قلوبنا”، تروي أم مفجوعة من ضواحي المدينة، فضلت عدم الكشف عن هويتها خوفًا من الوصمة الاجتماعية.

هذه الشهادات المؤلمة تتلاقى مع تحذيرات متخصصين في علم النفس والاجتماع، الذين يؤكدون أن غياب الدعم النفسي المناسب يحول المرضى إلى قنابل موقوتة، قد تنفجر في وجه أقرب الناس إليهم، كما تجسد ذلك في فاجعة مكناس وغيرها من الحوادث الدامية التي هزت الرأي العام مؤخرًا.

وزارة الصحة في قفص الاتهام: ميزانيات هزيلة وخدمات متمركزة

تحقيق “[فاس24]” يكشف عن فجوة عميقة بين حجم المشكلة والجهود المبذولة لمواجهتها. ميزانية وزارة الصحة المخصصة للصحة النفسية تبقى هزيلة مقارنة بحجم التحدي، إذ لا تتعدى نسبًا ضئيلة من إجمالي الميزانية. هذا الشح في الموارد ينعكس سلبًا على عدد الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، الذين لا يتناسب عددهم إطلاقًا مع عدد المرضى المحتملين،و تبقى المستشفيات التي تعالج الأمراض العقلية و النفسية  على رؤوس الأصابيع بالمدن الكبرى المغربية.

“المغرب يعاني من عجز كارثي في الموارد البشرية المتخصصة في الصحة النفسية. أغلب الأطباء النفسيين يتركزون في المدن الكبرى، بينما تعاني المناطق النائية والفقيرة من فراغ شبه تام”، يقول دكتور مختص  في تصريح خاص لـ “[فاس24]”. ويضيف: “حتى في المدن، فإن المواعيد غالبًا ما تكون بعيدة جدًا، والولوج إلى العلاج مكلف، مما يحرم شريحة واسعة من المحتاجين من الحصول على المساعدة في الوقت المناسب”.

غياب استراتيجية وطنية واضحة: هل تتحرك الحكومة لإنقاذ “العقول المريضة”؟

يكشف تحقيق “[فاس24]” عن غياب استراتيجية وطنية واضحة المعالم لمواجهة تنامي الأمراض النفسية وتداعياتها. فبدلًا من إطلاق حملات توعية شاملة لكسر حاجز الوصمة وتشجيع طلب المساعدة، وبدلًا من توسيع وتجويد البنية التحتية للخدمات النفسية وتوفيرها في جميع ربوع المملكة، يبدو أن هذا الملف الحيوي يعاني من تهميش واضح.

“[فاس24]” تواصلت مع مسؤولين في وزارة الصحة، لكن لم تتلق ردودًا شافية حول الخطط المستقبلية لمواجهة هذا التحدي. هذا الصمت الرسمي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى إدراك الحكومة لحجم المشكلة وأولويتها لهذا الملف الحساس.

المجتمع يدفع الثمن: وصمة العار والعزلة القاتلة

في ظل غياب الدعم المؤسساتي الكافي، يواجه المرضى النفسيون وعائلاتهم وصمة عار اجتماعية تزيد من عزلتهم وتمنعهم من طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع القاسية. هذه الوصمة تؤخر التشخيص والعلاج، وتزيد من تفاقم الحالات، وقد تدفع بعض المرضى إلى حافة اليأس والانتحار أو حتى ارتكاب أعمال عنف مروعة.

“القرقوبي” يُغذي “الجنون”: مخدر الممول من طرف الجيران يُفاقم الأزمة ويُشعل فتيل الجرائم المروعة

في سياق متصل بتنامي الاضطرابات النفسية والعقلية، يبرز عامل آخر لا يقل خطورة، وهو إغراق المغرب بكميات هائلة من مخدر “القرقوبي” القادم من دول الجوار و الذي تهدف من خلاله الى النيل من إستقرار البلاد من خلال حرب خفية وغير مباشرة. هذا المخدر، المعروف بتأثيراته المدمرة على الجهاز العصبي وقدرته الفائقة على إحداث اختلالات نفسية وعقلية عنيفة، بات وقودًا إضافيًا يُغذي “الجنون” الذي يزحف في المجتمع المغربي.

شهادات لضحايا الإدمان وعائلاتهم، بالإضافة إلى تقارير أمنية متطابقة، تؤكد أن تعاطي “القرقوبي” غالبًا ما يدفع المدمنين إلى حافة الهاوية، مُفقدًا إياهم القدرة على التحكم في انفعالاتهم وسلوكياتهم. تحت تأثير هذا المخدر القاتل، يصبح المتعاطي قنبلة موقوتة، معرضًا لارتكاب أعمال عنف وجرائم بشعة، تصل في كثير من الأحيان إلى حد قتل الأصول، كما رأينا في فاجعة مكناس وغيرها من الحوادث المروعة التي هزت البلاد.

هذا التدفق الهائل لـ “القرقوبي” إلى المغرب يُلقي بظلال قاتمة على جهود مكافحة المخدرات ويعقد من مهمة الحفاظ على الأمن المجتمعي. كما يضاعف من حجم التحدي الذي تواجهه وزارة الصحة في التعامل مع تداعيات الإدمان على الصحة النفسية والعقلية للمواطنين. فبدلًا من التركيز فقط على علاج الإدمان، بات من الضروري أيضًا التصدي بحزم لمصادر هذا المخدر وتفكيك شبكات تهريبه التي تستهدف تدمير شباب البلاد واستقراره.

نداء إلى الضمير: متى تتحرك الدولة لإنقاذ “الوباء الصامت”؟

إن تنامي حوادث العنف والجريمة المرتبطة بالأمراض النفسية، والتي تصل إلى حد قتل الأصول، يجب أن يكون بمثابة صرخة مدوية تهز الضمير الوطني. “[فاس24]” تدق ناقوس الخطر وتطالب بتحرك عاجل من الحكومة لوضع خطة وطنية شاملة لمواجهة هذا “الوباء الصامت”. الاستثمار في الصحة النفسية ليس مجرد واجب إنساني، بل ضرورة أمنية واجتماعية واقتصادية ملحة. فهل ستستجيب الدولة لنداء الاستغاثة قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى