“ المديرية الجهوية بفاس ترسم البداية… حملات الضرائب تكشف أكبر عمليات الاحتيال بالفواتير الوهمية في المغرب”

تفجّر واحد من أخطر الملفات المالية بالمغرب بعدما قادت المديرية الجهوية للضرائب بفاس و بمواكبة دقيقة من المدير الجهوي حمداش، وفق معطيات مؤكدة، تحرّكات دقيقة أسفرت عن كشف شبكات معقدة تنشط في إصدار الفواتير الوهمية واستغلالها في التهرب الضريبي وتبييض المعاملات التجارية. هذا التحرك المبكر من فاس كان الشرارة الأولى لعملية وطنية واسعة قادتها المديرية العامة للضرائب بتنسيق مع النيابة العامة والأجهزة الأمنية المختصة.
أسفرت العملية عن تفكيك عشرات الشبكات المتورطة في خلق شركات صورية وبيع فواتير مزورة لشركات حقيقية مقابل مبالغ مالية محددة، ما مكّن بعض الفاعلين من تضخيم نفقاتهم للتهرب من أداء الضرائب.
ووفق المعطيات المحصّلة، تمت إحالة أزيد من 300 مشتبه به على القضاء خلال الأشهر الأخيرة، بينهم سماسرة ومتورطون في تزوير وثائق، ومسيرو شركات وهمية، فيما صدرت أحكام حبس نافذ في حق عدد منهم.
وقد مكنت هذه الحملة من حجز كميات ضخمة من الوثائق والمعدات الرقمية، بينها دفاتر شيكات، أختام مزورة، بطائق تعريف في اسم الغير، وسجلات لمقاولات غير موجودة إلا على الورق.
أوضحت المعطيات أن ظاهرة الفواتير الوهمية كبّدت الاقتصاد الوطني خسائر بمليارات الدراهم سنويا، إذ كانت بعض الشركات تستخلص الضرائب من المواطنين دون أن تُحوَّل فعلياً إلى خزينة الدولة.
وقد نجحت الخلية الجبائية المتخصصة في اليقظة وتحليل المخاطر في تقليص الخسائر من 10 مليارات درهم إلى حوالي 8 مليارات درهم، بفضل إعادة هيكلة منظومة المراقبة وربطها بالتحليل الرقمي.
كشفت العملية عن أساليب خطيرة تم اعتمادها، أبرزها:
-
تأسيس شركات متعددة الأسماء دون نشاط فعلي، تُستخدم فقط لإصدار الفواتير.
-
بيع فاتورة بقيمة 10 آلاف درهم مقابل 100 إلى 200 درهم للزبون.
-
تضخيم رقم معاملات شركات قائمة لتجنب الأداء الحقيقي للضريبة.
-
استعمال أسماء مواطنين لا علم لهم بتأسيس شركات في أسمائهم.
-
استغلال الفواتير الوهمية في الحصول على قروض مشبوهة.
كما تبين أن بعض المشتبه فيهم يديرون شبكات كاملة لتسويق الفواتير داخل “سوق سوداء” منظمة، تشمل وسطاء ومحترفين في صناعة الوثائق.
رغم وجود ترسانة قانونية صارمة، ما زالت الثغرات تُستغل بذكاء من طرف الشبكات الإجرامية. وينص القانون على رفض أي خصم ضريبي يعتمد على فواتير غير صادرة عن مورد خاضع للرسم المهني وملتزم بالتصريح الضريبي، كما خوّل للوزير المكلف بالمالية إحالة الملفات مباشرة على النيابة العامة دون المرور عبر لجان المخالفات.
ومع ذلك، يُظهر الواقع أن عدداً كبيراً من الشركات غير النشيطة تظل مسجلة بشكل قانوني لسنوات دون تحرٍّ فعلي من قبل بعض المديريات الإقليمية، ما يسمح بإعادة إحيائها في أي وقت لأغراض التدليس.
تقرير رقابي حديث كشف وجود شبكة من الشركات الوهمية التي لا تمارس أي نشاط سوى إصدار الفواتير الصورية. واعتبر التقرير أن غياب خطط فعالة لمراقبة هذه الشركات يشكل خطراً حقيقياً على المنظومة الضريبية وعلى مناخ الأعمال.
كما حذّر من تضخم “الباقي استخلاصه” بسبب الضرائب المفروضة على شركات غير نشيطة، ما يخلق اختلالات مالية ويخفض نسبة التحصيل الحقيقية.
تثبت هذه العملية الواسعة أن الدولة دخلت مرحلة جديدة في مواجهة الفساد الضريبي، وأن المديرية الجهوية بفاس لعبت دوراً محورياً في تفجير الملف وطنياً.
ومع استمرار التحقيقات، تتجه السلطات نحو تشديد الرقابة الرقمية وربط قواعد البيانات بين الإدارات، بهدف سدّ كل منافذ التملص الضريبي وترسيخ شفافية المعاملات.
ملف الفواتير الوهمية، الذي كان لعقود “صندوقاً أسود”، بات اليوم تحت الأضواء… والمعركة مستمرة.






