مجتمع

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… بين أعطاب التسيير وانتظارات التجديد

كشفت تقارير رقابية عن سلسلة من الاختلالات التي شابت تنزيل مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس سلبًا على نجاعة البرامج الموجهة للفئات الهشة. فقد أظهرت المعطيات أن عددًا من المشاريع الممولة لم يحقق الأهداف المرسومة، بسبب غياب آليات دقيقة للتتبع والتقييم، وضعف التنسيق بين المتدخلين، بالإضافة إلى قصور في عمليات التشخيص والأبحاث الاجتماعية.

وتبين من خلال المعطيات أن بعض المشاريع أُنجزت بشكل شكلي أو لم تُستكمل في الآجال المحددة، فيما افتقدت أخرى لرؤية واضحة ولآليات ناجعة للقياس والتقييم. كما أن غياب العدالة المجالية في توزيع المشاريع خلق حالة من عدم التوازن بين مختلف المناطق، وأدى إلى تركيز الدعم في مناطق محدودة بدل أن يشمل كافة الفضاءات الترابية التي تحتاج إلى تدخل عاجل.

وتُظهر هذه الإخفاقات أن المقاربة السابقة في تدبير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لم تعد قادرة على ضمان الأثر التنموي المنتظر، خاصة في ظل تزايد الانتظارات الاجتماعية وتعقّد التحديات الاقتصادية. فغياب الحكامة الرشيدة، وانعدام آليات المراقبة المستقلة، واستعمال المبادرة كأداة لتغذية مصالح ضيقة بدل أن تكون رافعة شاملة للتنمية، كلها عوامل ساهمت في تحويل بعض المشاريع إلى مجرد ملفات إدارية دون أثر ملموس على حياة المواطنين.

اليوم، يطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن استعادة البوصلة الحقيقية للمبادرة؟
المطلوب من  الوالي مدير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و  المسؤولين الترابيين، وفي مقدمتهم الولاة والعمال، تجاوز المقاربة التقليدية التي أثبتت محدوديتها، والتفكير في صيغ مبتكرة تضمن للمبادرة أن تحقق الغاية التي أرادها لها جلالة الملك، أي أن تكون أداة فعلية لتحسين الدخل، تقليص الهشاشة، وخلق مشاريع تنموية حقيقية تفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب والفئات المحرومة.

إن تجديد الرؤية لا يقتصر على تمويل مشاريع جديدة، بل يستلزم إرساء آليات صارمة للتتبع، اعتماد معايير شفافة للاختيار، إشراك الكفاءات المحلية والخبراء المستقلين، وضمان العدالة المجالية في التوزيع. فقط بهذه الخطوات يمكن للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أن تتجاوز عثراتها السابقة، وتستعيد دورها كرافعة مركزية للتنمية والعدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى