اقتصاد

الفساد ينهش القطاع الصحي الخاص.. “المصحات” خارج القانون والدولة في موقع المتفرج

فاس24: تقرير خاص

رغم الخطابات الرسمية المتكررة حول إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز الحماية الاجتماعية، ما زال الواقع يُبرز صورة قاتمة لقطاع تزداد فيه معاناة المواطن، ليس فقط بسبب ضعف البنيات والتجهيزات، بل بفعل ممارسات أصبحت ممنهجة في بعض المصحات الخاصة، حيث تحكم “الشيكات على سبيل الضمان” و”الدفع المسبق نقداً” قبل العلاج، كما لو أن المريض سلعة تُفصّل حسب قدرة الزبون المالية.

التحوّل المتسارع نحو خوصصة غير مهيكلة للقطاع، والذي تعزز منذ الشروع في تعميم التغطية الصحية، جعل المصحات الخاصة تتحول إلى الفاعل الأول المستفيد من صناديق التأمين، بنسبة بلغت 90٪ من العائدات، مقابل تراجع صارخ في دور المستشفيات العمومية، التي تحولت في أعين الكثيرين إلى مجرد واجهات رمزية لا تلبي الحد الأدنى من شروط العلاج الكريم.

صحة المواطن مقابل “الشيك”.. منطق السوق يلتهم المرفق الصحي

عدد متزايد من المصحات يلجأ إلى فرض شيكات الضمان أو الدفع “نقداً” تحت الطاولة قبل تقديم أي تدخل طبي، حتى في الحالات المستعجلة، وهو ما يجعل حياة المريض رهينة بورقة بنكية، ويقوّض جوهر الحق الدستوري في العلاج. وفي ظل هذه الممارسات، يبدو أن الأجهزة الرقابية عاجزة عن فرض القانون، أو أنها تكتفي بالتوصيات الإعلامية دون تفعيل فعلي للمراقبة والمساءلة.

تقارير هيئات وطنية معنية بالنزاهة كشفت أن الفساد في القطاع الصحي لا يمس فقط جودة الخدمات، بل يهدد الأمن الصحي الوطني ويعمّق الفوارق في الولوج للعلاج، بفعل ممارسات غير أخلاقية من قبيل الفوترة الوهمية، تضارب المصالح، والتمييز بين المرضى حسب وضعهم المادي.

الأرقام تفضح والوزارة تصمت

دراسة حديثة أظهرت أن أزيد من 68% من زبناء المصحات الخاصة غير راضين عن مستوى الخدمات، فيما لم تتجاوز نسبة الثقة في هذا القطاع 49%، ما يؤكد حالة من الانفصال بين الشعارات التي ترفعها المؤسسات الصحية الخاصة، والممارسات اليومية التي يواجهها المواطن.

المفارقة الكبرى تكمن في ضعف مساهمة هذه المصحات في المجهود الجبائي الوطني، حيث لا تمثل سوى نسبة هزيلة من الضريبة على الشركات والدخل، بينما تحقق أرباحاً كبيرة، خصوصاً في ظل تعريفة مرجعية جديدة تم إقرارها دون ربطها بتحسين ملموس في جودة الخدمات.

الحكومة.. الغائب الأكبر في معركة التصحيح

ما يحدث في قطاع المصحات الخاصة لا يمكن فصله عن غياب واضح لدور الحكومة و الوزارة المعنية في التنظيم والمراقبة. فمن جهة، تلوّح الوزارة الوصية بعقوبات وهمية ضد المصحات المخالفة، ومن جهة أخرى، تغيب أي خطة فعالة لإعادة التوازن بين القطاعين العمومي والخاص، ما يجعل المواطن يواجه تغوّلاً للمنطق التجاري في مرفق يُفترض أن يكون عمومياً وتضامنياً في جوهره.

المفارقة الصادمة أن مجلس المنافسة سبق أن وصف فرض الشيكات كضمانة بأنه ممارسة غير قانونية، لكن المصحات لا تزال تفرضها، في غياب أي متابعة أو ردع. أما البرلمان، فصوته يُسمع فقط في شكل أسئلة كتابية مناسباتية لا تُترجم إلى تغيير على الأرض.

نحو مناعة مؤسساتية بدل العلاج بالمسكنات

إن التعامل مع الفساد في قطاع الصحة لا يجب أن يكون عبر بيانات ظرفية أو زيارات استعراضية، بل عبر بناء مناعة مؤسساتية طويلة المدى، تعتمد الشفافية في تدبير الموارد، وتعزيز آليات المراقبة، وتمكين المواطنين من قنوات للتبليغ والمتابعة.

ولعل أخطر ما يواجهه النظام الصحي المغربي اليوم، ليس فقط النقص في الموارد أو التفاوت في الخدمات، بل تطبيع المجتمع مع الممارسات الخارجة عن القانون، وقبول المرضى بالخضوع للابتزاز المالي باعتباره “جزءاً من اللعبة”. وهذا ما يتطلب تدخلاً شجاعاً يعيد الاعتبار إلى مفهوم العلاج كحق لا كامتياز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى