الغرفة الجهوية للتجارة بفاس-مكناس: هل تحولت إلى “ذراع تفتيش”؟ انتقادات حادة تلاحق الرئيس بعد “قافلة الضمان الاجتماعي”

تجد الغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات بجهة فاس-مكناس نفسها في عين الإعصار، بعد تنظيم رئيسها قافلة تواصلية بشراكة مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS). ورغم أن اللقاء كان يهدف للتعريف بـ “الجديد في وعاء الاشتراكات الاجتماعية” في إطار ورش تعميم التغطية الصحية الملكي، إلا أن الطريقة التي أدار بها رئيس الغرفة هذا الحدث أثارت موجة عارمة من الانتقادات والاستغراب داخل الأوساط الاقتصادية والمتتبعين.
أصبح لسان حال العديد من المقاولين والفاعلين الاقتصاديين في فاس والجهة يتساءل: هل مهمة الغرفة هي الدفاع عن مصالح الشركات أم توجيه سيف التفتيش نحوها؟
الغريب في الأمر، أن رئيس الغرفة لم يكتفِ بالتواصل حول المستجدات التقنية، بل وجه تحذيرات مباشرة وعلنية للشركات والمقاولات بضرورة “التنزيل الأمثل”، مشيراً إلى أن مفتشي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي “سيزورونهم”،و عوض ذلك كان على الغرفة الجهوية ان تضغط على مؤسسة الضمان الإجتماعي من اجل إظهار الليونة عند الزيارات و ذلك لما يعرفه القطاع من ركود.
وقد رأى متابعون أن هذا التصريح ليس مجرد إعلان إخباري، بل هو تحريض مباشر من جهاز منتخب كان يفترض أن يكون سنداً للقطاع الخاص، لفتح الطريق أمام الصندوق لتحريك فرقه التفتيشية. وكان المنتظر من رئيس الغرفة أن يتخذ مساراً مغايراً تماماً:
-
المسار البديل المفقود: عوض أن يختار الرئيس أسلوب التهديد والتحذير، كان عليه أن يقود مفاوضات مباشرة مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هذه المفاوضات كان يجب أن تهدف إلى إيجاد آليات لتخفيف العبء المالي على الشركات، خصوصاً الصغرى والمتوسطة، أو التفاوض على مدد زمنية مرنة للتسوية، بدلاً من الدفع بها نحو وضع قد يعرضها لغرامات وعقوبات في ظل وضع اقتصادي هش.
-
خيار غير مفهوم: إن اختيار رئيس الغرفة أسلوب “التحذير بالتفتيش” على حساب أسلوب “الدفاع والمفاوضة” هو خيار غير مفهوم ويضع علامات استفهام كبرى حول أولويات الغرفة ودورها الحقيقي كممثل للقطاع الخاص.
أكبر نقد يوجه للغرفة الجهوية هو انفصالها التام عن الواقع الاقتصادي المرير الذي تعيشه جهة فاس-مكناس، وتحديداً القطاعات الثلاثة التي يفترض أن تمثلها: التجارة والصناعة والخدمات.
-
التجارة المتوقفة: تشهد فاس، التي كانت مركزاً تجارياً حيوياً، توقفاً شبه كامل في الحركة التجارية. كان على الغرفة أن تعقد لقاءات عاجلة للبحث عن حلول إنعاشية وتفاوضية مع المؤسسات المالية والضريبية.
-
فوضى الأحياء الصناعية: الغرفة “الخاوية على عروشها” لا تبدو مهتمة بزيارة الأحياء الصناعية التي ما زالت تعيش تراكمات فوضوية. هذه الأحياء، التي يفترض أن تكون قاطرة للتنمية، تحولت في أجزاء منها إلى مطرح للنفايات وغابت عنها أدنى شروط النظافة والسلامة.
-
إهمال المستخدمين والبيئة العمل: كان لزاماً على الغرفة أن تتفقد الظروف المعيشية والعملية لـ المستخدمين (العمال) داخل هذه المصانع، وليس فقط تلبية طلبات “الباطرون” وتوجيه تحذيرات التفتيش إليهم.
لقد تحولت منتديات وأنشطة الغرفة إلى فضاءات لا تلامس القضايا الجوهرية، بينما ظلت قاعات الاجتماعات التابعة لها “خاوية على عروشها” من النقاش الحقيقي و الحضور والمبادرات الفعالة التي تعكس حجم الأزمة.
إن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد سوء تقدير، بل يمثل في نظر الكثيرين استقالة شبه كاملة من الدور التمثيلي المنوط بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات.
بدلاً من أن تكون جسراً للتخفيف بين المقاولات والسلطات الاجتماعية والضريبية، اختارت الغرفة أن تكون مغرقا و”ذراعاً” مساعدة للسلطة التفتيشية. هذه المقاربة تهدد بزيادة الضغط على النسيج المقاولاتي الهش، وتضع مصداقية المؤسسة ورئيسها في مهب الريح. المطلوب اليوم هو تغيير جذري في الأولويات والمنهجية، والعودة إلى جوهر مهمة الغرفة: الدفاع القوي عن مصالح الفاعلين الاقتصاديين وحل مشاكلهم قبل التهديد بـ “الزيارات التفتيشية”.






