العامل داحا: حين ينجح “ابن الصحراء” في تحويل قسوة تاونات إلى نموذج للـتنمية المستدامة و “الاستثمار في الإنسان”

من العيون إلى “قلعة جبالة”.. مسار كادر وطني بامتياز
في محطة جديدة من مسيرة الكفاءات المغربية وهي تكرس حياتها لخدمة الوطن تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، صالح داحا، عامل إقليم تاونات، بعد مهمة إدارية ناجحة وبصمات تنموية عميقة. داحا ليس مجرد مسؤول إداري؛ إنه ابن الأقاليم الجنوبية، ينحدر من مدينة العيون عاصمة الصحراء المغربية، وهو نموذج للأطر الوطنية التي أثبتت أن النجاح في تدبير الشأن العام لا يرتبط بالجغرافيا، بل بالإخلاص في تطبيق المفهوم الجديد للسلطة.
لقد نجح هذا الكادر الوطني الذي رأى نور الحياة بماشرة بالرمال الذهبية للصحراء المغربية، بخلفيته الأكاديمية العالية في الاقتصاد والتجارة الدولية من جامعة السوربون، في “ترويض الإدارة الترابية” لإقليم تاونات، المعروف بتضاريسه الجبلية الوعرة والمنعزلة (“قلعة جبالة”). فبمقاربة إنسانية وحكامة دقيقة، حول داحا التحديات الجغرافية إلى حوافز للعمل التنموي المندمج، مركزاً على الاستثمار الأهم: الرأسمال البشري.
الأوراش التنموية: الاستثمار في البشر يتجاوز البنية التحتية
منذ تعيينه في غشت 2018 كعامل على إقليم تاونات، انخرط العامل صالح داحا في تفعيل رؤية ملكية تضع المواطن في صلب التنمية. في تاونات، لم تعد التنمية مجرد مشاريع طرق وسدود (كإنجاز سدي “سيدي عبو” و “الرتبة”)، بل تحولت إلى عقيدة عمل قائمة على تمكين الفرد:
- التعليم والجيل الصاعد: شكل برنامج الدفع بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)، محوراً استراتيجياً. فقد تميزت الفترة بـ:
- محاربة الهدر المدرسي عبر بناء وتجهيز وتسيير أكثر من 200 وحدة للتعليم الأولي، وتهيئة دور الطالب والطالبة، لانتشال آلاف الأطفال من عزلة القرى.
- تعزيز أسطول النقل المدرسي بأكثر من 80 حافلة، كسرّت العزلة وفتحت آفاق المستقبل أمام تلاميذ المناطق الجبلية.
- دعم الإدماج الاقتصادي والتضامني: ركزت المشاريع على الشباب والمرأة القروية من خلال تثمين المنتجات المجالية (زيت الزيتون، الحرف اليدوية)، ودعم مئات المشاريع والتعاونيات المدرة للدخل، باستثمارات ضخمة تجاوزت 1.3 مليار درهم في إطار المبادرة الوطنية، ما منح السكان المحليين أدوات الإنتاج بدل الإعانات الظرفية.
- الصحة وسياسة القرب: قاد داحا جهوداً حثيثة لتقريب الخدمات الصحية عبر تطوير مراكز صحية الجيل الجديد وتفعيل برامج الصحة الجماعاتية في الدوائر الأربع، مستخدماً كل إمكانيات الإدارة لتجاوز النقص في الموارد البشرية واللوجستية.
تأطير المواطن وحصاد اللحمة: الدليل الساطع على نجاح الحكامة
إن النجاح الحقيقي للعامل صالح داحا لم يقتصر على الأرقام المالية للمشاريع، بل تجلى في قدرته على تأطير المواطنين وتنمية حسهم الوطني والمجتمعي عبر سياسة القرب والتواصل والمشاركة. كان العامل حريصاً على الانفتاح على ممثلي المجتمع المدني والمنتخبين، مؤكداً أن التنمية هي “مسؤولية جماعية وذكاء جماعي”.
إن أبهى صور هذا النجاح ظهرت عندما ترجمت التنمية المحلية إلى تعبئة وطنية قوية:
- الاحتفالات بقرار مجلس الأمن: تجسدت ثمرة الإخلاص في الإدارة الترابية بشكل غير مسبوق بخروج ساكنة الـ 49 جماعة بالإقليم، من قراها وحواضرها، في احتفالات عفوية ابتهاجاً بقرار مجلس الأمن الأخير الذي كرّس الموقف المغربي بخصوص الصحراء.
- إن هذا الخروج الجماهيري من إقليم تاونات، المعروف تريخياً بنضالاته، لم يكن مجرد صدفة؛ بل هو دليل قاطع على أن الإدارة التي تخدم المواطن بإخلاص وتقرّب إليه الخدمات وتشركه في القرارات التنموية، هي ذاتها الإدارة القادرة على حشده وتأطيره حول قضايا الوطن المقدسة.
إرث الوفاء وتجديد الثقة
العامل صالح داحا تاونات و غيره من شباب الصحراء الذين يتحملون المسؤوليات الكبرى و السامية في دواليب الدولة،هم من خيرة أبناء الوطن،و سيغادر داخا صوب عاصمة دكالة محملاً بتقدير الساكنة وإرث تنموي واضح، ليواصل مسيرته في إقليم الجديدة، بقرار ملكي يجدد الثقة في هذا الكادر الوطني المنحدر من الأقاليم الصحراوية. لقد أثبت داحا أن الأطر المغربية، في كل ربوع المملكة وتحت الراية المغربية، هي القادرة على إحداث التغيير الملموس، وأن نجاح الإدارة الترابية في ترويض أصعب الجغرافية (تاونات) يكمن في ربط العمل التنموي المحلي بالالتفاف الوطني حول المؤسسات، ليظل المواطن، حيثما كان، هو البداية وهو النهاية لكل عمل جاد.
ابن الصحراء.. مرآة للوفاء الوطني وتجديد الثقة
في نهاية المطاف، يمثل العامل صالح داحا نموذجاً ناجحاً ومضيئاً لأبناء الأقاليم الصحراوية المغربية الذين انخرطوا بوطنية عالية وفعالية لا تقبل التردد في خدمة جميع ربوع المملكة، من أقصى جنوبها إلى جبالها الشمالية الوعرة. لقد برهن ابن العيون على أن الكفاءة الوطنية، حينما تتسلح بخلفية اقتصادية متينة ورؤية إنسانية، تصبح قادرة على إحداث نقلة نوعية في أصعب المجالات. وفي ارتباط وثيق بما شهدته شوارع تاونات من ابتهاج بـتصويت مجلس الأمن أمس، فإن مسيرة داحا في تاونات تؤكد أن التنمية الشاملة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، هي المفتاح الأسمى لترسيخ الوحدة الترابية واللحمة الوطنية، وأن الأطر الوطنية المخلصة، أينما حلت، هي ضمانة لاستمرار هذا المسار التنموي المظفر.






