سياسة

الداخلية تبتلع السياسة والحكومة صامتة… والعدالة والتنمية يرفع الصوت وحيداً

في وقت تلتزم فيه الأغلبية الحكومية و ما تبقى من الأطياف السياسية صمتاً مريباً، يخرج حزب العدالة والتنمية كصوت معارض وحيد يفضح تغول وزارة الداخلية وانفرادها بإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية، متجاوزة بذلك المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية، ومهمشة المقتضيات الدستورية التي تضع الجهة والجماعات الترابية في قلب القرار التنموي.

فالوزارة الوصية، التي يفترض أن تضطلع بدور المرافق والوسيط، صارت اليوم تتفرد بقرارات محورية تمس حاضر ومستقبل التنمية، وكأنها وصية على المنتخبين وبديلة عن المؤسسات الدستورية التي اختارها الشعب عبر صناديق الاقتراع. فهل تحولت الديمقراطية إلى مجرد واجهة شكلية؟

حزب العدالة والتنمية، في اجتماع استثنائي لأمانته العامة، رفض هذا الانزياح الخطير، مؤكداً أن أي برنامج تنموي لا يمكن أن ينجح دون احترام الدستور والميثاق الوطني للاتمركز الإداري، ودون تمكين الجهات والجماعات من ممارسة أدوارها كاملة في صياغة السياسات العمومية الترابية. فالدستور واضح: التدبير الحر، الجهوية المتقدمة، المشاركة المواطنة… كلها مرتكزات يتم اليوم الالتفاف عليها بقرارات فوقية من وزارة الداخلية.

البيجيدي شدد على أن محاولة تهميش الأحزاب وتبخيس العمل السياسي ليست سوى وصفة لتعميق العزوف وإضعاف الثقة في المؤسسات. فالتنمية الحقيقية لا تُفرض من المكاتب المركزية، بل تُبنى عبر التشاركية واحترام صوت المواطن والمجالس المنتخبة.

الأخطر أن هذا النهج يأتي في سياق سياسي هش، حيث تقترب نهاية الولاية الحكومية والترابية الحالية، ما يطرح سؤالاً كبيراً: لماذا الإصرار على إقصاء الجماعات التي صادقت عبر آليات ديمقراطية على برامج التنمية الجهوية والتصاميم المجالية؟ ولماذا هدر جهد سنوات من العمل المؤسساتي لصالح مقاربة عمودية تمليها الإدارة المركزية؟

العدالة والتنمية ذكّر الحكومة بمسؤوليتها الدستورية في ضمان تكافؤ الفرص والعدالة المجالية، بدل تكريس سياسة التركيز على بعض المدن والحواضر وترك القرى والمناطق الجبلية تغرق في الفقر والهشاشة. فهل يعقل أن يظل سكان المغرب العميق خارج رادار التنمية، بينما تُغدق المشاريع الضخمة على جهات بعينها؟

لقد أصبح واضحاً أن وزارة الداخلية تجر البلاد إلى نمط من الحكم الترابي يقوم على الإملاء والتسيير المركزي، فيما تتحول الحكومة إلى متفرج صامت، لا دور لها سوى تزكية القرارات. أما باقي الأحزاب، فقد فضلت الانحناء للعاصفة، تاركة العدالة والتنمية في واجهة المواجهة، يرفع صوته في زمن الصمت الجماعي.

الخلاصة أن الأزمة لم تعد تقنية ولا تدبيرية، بل سياسية بامتياز: هل نحن أمام تراجع خطير عن روح دستور 2011؟ وهل لا تزال الحكومة مؤمنة بالاختيار الديمقراطي كمدخل للتنمية، أم أن القرار السياسي بات رهين مقاربة أمنية – إدارية لا ترى في المواطن سوى متلقٍ للتعليمات؟

أسئلة ثقيلة تضع حكومة أخنوش ووزارة الداخلية في قفص الاتهام، وتكشف أن التجربة الديمقراطية المغربية مهددة بالتبخيس، في غياب معارضة حقيقية قوية، باستثناء صوت واحد لا يزال يقاوم: العدالة والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى