الخرجات الإعلامية المستفزة لأخنوش تشعل غضب الشارع

شهدت شوارع عدة مدن مغربية على مدار يومين من نهاية الأسبوع، موجة احتجاجات شبابية عارمة، ردًّا على تردي الخدمات الصحية وتدهور قطاع التعليم، في مشهد يثبت أن خطاب الإنجازات الوهمية لا يطفئ نار الاحتقان، بل يغذيها حين يُعرض كحقيبة إنجازات ورديّة بعيدة عن الواقع.
إن الاستعراض التلفزيوني لرئيس الحكومة يوم 10 شتنبر، موقعة وفرة فاكهة “الرمان” على ركام ضحايا الحوز الذي صوّر حصيلة مزعومة وإنجازات مترجمة بأرقام رنانة، لم يلقَ صدى طيبًا لدى الناس — بل كان قطرة الزيت التي أضرمت شرارة الغضب لدى شباب لمسّ في المستشفيات والمدارس والعطل الإدارية واقعًا معاكسًا تماما. الخرجة الإعلامية لم تكن مجرد حوار روتيني؛ كانت إعلانًا عن انفصال صارخ بين خطاب السلطة ووجع المواطن اليومي.
الأمر لا يقتصر على غضب عابر: الاحتجاجات التي شُوهدت في الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وأكادير، بحسب تقارير ميدانية وإعلامية، تؤكد أن استياءًا متصاعدًا يضرب فئات واسعة من الشباب والطبقات المتضررة، وأن السياسات المعلنة لا تصلح لتمويه هشاشة الخدمات العمومية. الردّ الأمني المباشر لمنع الاحتجاجات و محاولتها إحتوائها من مهدها في بعض المحطات زاد الطين بلة، وبدل أن يبرد الأجواء عمق الهوة بين الشارع والحكومة.
في تحليل قاسٍ: ما حصل أمس ليس فقط نتيجة أخطاء تقنية أو تدبيرية، بل نتاج استراتيجية تواصل خاطئة. عندما يتحوّل خطاب المسؤول الأول على حكومة “موركومول” حسب تعبير مسؤول حزبي معارض إلى قائمة إنجازات منظّمة تُعرض أمام الكاميرا بينما المواطن يواجه نقص الأطباء، انتظارًا طويلًا، وقنوات إدارات مكتظة بالبيروقراطية، تتحوّل تلك الخرجة إلى استفزاز مدروس أو طائش — والشارع لا يقبل التجميل على حساب حياته.
والحقيقة المؤلمة: هناك تلازم بين الشعور بالعجز عن الوصول للخدمات الأساسية، وبين شعور بأن الموارد تتوزع على أولويات بعيدة عن حاجات الناس الحقيقية. في ظل هذا التلازم، أي مقابلة تلفزيونية تُروّج لإنجازاتٍ لا يشعر بها المواطن تُعامل كخيانة رمزية للثقة، وتصبح وقودًا للحراك.
إذا كان الهدف من الخرجات الإعلامية إبقاء الصورة مصقولة أمام الكاميرات، ففي المقابل ثمن هذه الصورة يدفعه المواطنون في الشارع. على أخنوش أن يدرك أن الشعب لم يعد يكتفي بالبيانات والتقارير التلفزيونية؛ يريد حلولًا ملموسة — تجهيزات طبية، أطر صحية كافية، تعليم عمومي لائق، وإصلاحات إدارية حقيقية. وإلا فبدل أن يساهم حوارٌ تليفزيوني في تهدئة الأوضاع، فإنه يحول رئيس الحكومة إلى عنوان لسوء التقدير والبعد عن الواقع، ويجعل كل خرجة إعلامية جديدة شرارة قد تشعل موجة احتجاج أشد تنظيمًا وأكثر تأثيرًا على المشهد السياسي قبل سنة من الانتخابات.





