سياسة

الحركة الشعبية من قلب العيون: موقف صريح… ورسائل سياسية مُحمّلة بزخم ثقيل

اختار حزب الحركة الشعبية، في خطوة سياسية محسوبة، أن يعقد اجتماعاً بارزاً لمكتبه السياسي بمدينة العيون تزامناً مع الاحتفال بعيد الاستقلال. هذا الموعد لم يكن عادياً؛ فالحزب أراد أن يربط مواقفه الوطنية بعمقها الترابي في الجنوب، وأن يبرز حضوره السياسي من قلب الصحراء. ترأس الاجتماع الأمين العام محمد أوزين بحضور محند العنصر والقيادتين الجنوبيتين سيدي المختار وسيدي صلوح الجماني، داخل فضاء «بارادور» الذي يحمل رمزية الوحدة والنضال. وجاء البلاغ الختامي محملاً برسائل مباشرة، بعضها موجه للحكومة، وبعضها للفاعلين السياسيين، لكن أبرزها رسالة تؤكد أن الحكم الذاتي هو الخيار الاستراتيجي للدولة وأن قانون المالية 2026 يمثل دليلاً على غياب الرؤية الحكومية.

في ما يتعلق بقضية الصحراء، رفع الحزب نبرة موقفه بشكل واضح، معتبراً أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ليس مجرد مبادرة سياسية، بل هو اختيار استراتيجي للدولة والمجتمع، وتجسيد عملي للجهوية المتقدمة، والحل النهائي والوحيد للنزاع المفتعل. كما ثمنت قيادة الحزب المقاربة الملكية التي تُشرك الأحزاب في القضايا الوطنية الكبرى، مؤكدة أن توجهات الخطاب الملكي الأخير أرست مسارًا جديداً نحو بناء مغرب الأطلسي بعمقه الإفريقي، وفتحت أفقاً لوحدة مغاربية أساسها التكامل وليس التوتر.

ومن الجنوب إلى الشمال، أكد الحزب حضوره الوطني عبر الإعلان عن تنظيم الدورة السادسة للمجلس الوطني في مدينة الحسيمة تحت شعار: «دورة الوفاء من الريف إلى الصحراء». هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية قوية، إذ يسعى الحزب إلى الإشارة بأنه حزب يمتد من أعماق الجنوب إلى قمم الريف، ويكرّس نموذج «اللاتمركز الحزبي» عبر لقاءات ميدانية شملت سلا وإفران وأسفي وبومية وأرفود وتالسينت. هذه الجولات ليست شكلاً تنظيمياً فقط، بل محاولة من الحزب لتجديد موقعه السياسي وسط تحولات اجتماعية عميقة.

أما أقوى رسائل البلاغ فُوجّهت للحكومة، حيث اعتبر الحزب أن قانون المالية 2026 هو إعلان صريح عن فقدان الحكومة للرؤية السياسية، وتحولها إلى حكومة «تصريف أعمال» غير قادرة على صياغة سياسات عمومية فعالة أو تقديم حلول للأزمات المتفاقمة. وذهب البلاغ إلى حد القول بأن الحكومة تستهلك الوقت بدل إنتاج الحلول، وأنها عاجزة عن مواكبة نبض الشارع وتطلعات الشباب والمجالات المهمَّشة، مما يجعل مشروع قانون المالية مجرد وثيقة انتقالية نحو الانتخابات المقبلة دون مضمون إصلاحي حقيقي.

وفي نهاية البلاغ، دعا الحزب إلى تعبئة وطنية واسعة استعداداً لاستحقاقات 2026 باعتبارها محطة حاسمة لإعادة بناء الوسائط السياسية واسترجاع ثقة المواطنين. وشدد على ضرورة توفير مؤسسات قوية قادرة على مرافقة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى ضمان العدالة المجالية والإنصاف الترابي، بما ينسجم مع طموحات المغرب الصاعد. فالمكتب السياسي للحركة الشعبية أوضح أن المرحلة المقبلة لا تتحمل أحزاباً مترددة أو حكومات بلا رؤية، وأن البلاد تحتاج إلى بديل سياسي يملك الجرأة والوضوح.

هكذا يظهر أن بلاغ الحركة الشعبية لم يكن مجرد توضيح موقف، بل كان خطوة متقدمة لإعادة تموقع الحزب داخل مشهد سياسي يعرف غلياناً صامتاً. وهو إعلان غير مباشر أن سنة 2026 ستكون سنة صدامات سياسية حادة، وأن معركة إعادة تشكيل الخريطة الحزبية قد انطلقت بالفعل من قلب مدينة العيون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى