الجزائر بين شبح عدم الاستقرار واندفاع نحو التدخل الإقليمي في ظل استشعار “الهزيمة” أمام المغرب

يثير مشروع قانون التعبئة العامة الذي طرحته الحكومة الجزائرية مؤخرًا، وما تلاه من تحليلات تربطه بتوترات إقليمية متصاعدة وشعور متزايد بالهزيمة أمام المغرب، تساؤلات جوهرية حول استقرار البلاد ومستقبل دور قيادتها في المنطقة. فقراءة متعمقة لتقرير وكالة “أسوشيتد برس”، بالإضافة إلى المعطيات الجيوسياسية الراهنة، تقود إلى تحليل متشابك الأبعاد يرسم صورة لجزائر قد تكون بصدد التحول إلى قوة إقليمية أكثر تدخلًا، مدفوعة بمخاوف داخلية واستشعار لضعف نسبي في ميزان القوى الإقليمي.
ربط وكالة “أسوشيتد برس” بين مشروع قانون التعبئة العامة و”أزمة كبرى” محتملة في الجزائر يحمل في طياته دلالات مقلقة تنذر بشبح عدم الاستقرار. فالتلويح بتعبئة “جميع قوات الأمة” لا يُقدم عليه عادة إلا في مواجهة تهديدات وجودية أو اضطرابات داخلية عميقة. قلق المواطنين الجزائريين وتساؤلاتهم المشروعة حول دوافع هذا القانون، كما نقلتها الوكالة، يعكس حالة من عدم اليقين والريبة تجاه توجهات السلطة، مما يطرح تساؤلات حول مدى صلابة الجبهة الداخلية.
تشير الوكالة بوضوح إلى أن مشروع القانون يأتي في خضم توترات حادة مع دول الجوار، وتحديدًا المغرب ومالي، بالإضافة إلى فرنسا. هذا المعطى يرجح بقوة فرضية أن القيادة الجزائرية، تحت مظلة الرئيس عبد المجيد تبون وتوجيهات جنرالات قصر المرادية، قد ترى في هذه التوترات مبررًا لتعزيز قدراتها العسكرية والانخراط في أدوار أكثر نشاطًا وربما تدخلًا في المنطقة.
- المغرب وقضية الصحراء: بؤرة التوتر المستمرة: دعم الجزائر الثابت لجبهة البوليساريو، والتدهور الحاد في العلاقات مع فرنسا بسبب موقفها الأخير من قضية الصحراء، يضع الجزائر في قلب صراع إقليمي طويل الأمد. قد يدفع هذا الوضع القيادة الجزائرية إلى تبني مواقف أكثر تصلبًا والبحث عن أدوات ضغط جديدة، بما في ذلك التلويح بالقوة العسكرية واستغلال أي نقاط ضعف لدى الجيران.
- مالي والوضع الأمني الهش: نافذة للتدخل؟: حادثة إسقاط الطائرة بدون طيار بالقرب من الحدود مع مالي، في ظل حكم عسكري غير مستقر في باماكو، تفتح الباب أمام احتمالات تصعيد أمني. قد ترى الجزائر في ضعف الدولة المالية فرصة لتوسيع نفوذها أو على الأقل تأمين حدودها بطريقة استباقية، وهو ما يمكن تفسيره كنوع من التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى ذات سيادة.
- محاولة فرض النفوذ على دول الجوار الضعيفة (تونس نموذجًا): في سياق دول جوار تعاني من هشاشة سياسية واقتصادية، مثل تونس التي تمر بظروف اقتصادية صعبة، يمكن تفسير التحركات العسكرية الجزائرية على الحدود والمناورات المتزامنة مع مشروع قانون التعبئة كرسالة قوة تهدف إلى فرض نوع من النفوذ أو حتى التأثير في القرارات السيادية لهذه الدول.
يمكن قراءة التوجهات الجزائرية الأخيرة أيضًا في سياق شعور متزايد بالهزيمة أمام المغرب على مختلف الأصعدة الإقليمية والدولية. فالمغرب حقق مكاسب دبلوماسية ملحوظة في قضية الصحراء، وتراجع التأييد الدولي لأطروحة البوليساريو يضع الجزائر في موقف محرج. تغيير الموقف الفرنسي الأخير يُعد ضربة قوية للدبلوماسية الجزائرية وتعزيزًا لموقع الرباط.
هذا الاستشعار بالضعف النسبي قد يدفع القيادة الجزائرية إلى “الهرولة” نحو خيارات أخرى، مثل التلويح بالقوة العسكرية أو محاولة لعب دور أكثر نشاطًا في الملفات الإقليمية الملتهبة، كمحاولة لتعويض الخسائر الدبلوماسية واستعادة توازن القوى، حتى لو كان ذلك عبر أدوات تزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
لا يمكن إغفال الوضع السياسي والاقتصادي الداخلي في الجزائر. قد تلجأ القيادة إلى خطاب “الخطر الخارجي” والتعبئة العامة كآلية لصرف الانتباه عن التحديات الداخلية وتوحيد الصفوف خلفها. في هذا السياق، يصبح تصوير المغرب أو دول أخرى كتهديد ضروريًا لتبرير هذه الإجراءات وتعزيز سلطة المؤسسة العسكرية.
إن التقاطع المعقد بين المؤشرات الداخلية التي تنذر بعدم الاستقرار، والتوجهات الإقليمية التي تنحو نحو التدخل، والشعور المتزايد بالهزيمة أمام المغرب على الساحة الدولية، يرسم صورة لجزائر قد تكون على مفترق طرق. مشروع قانون التعبئة العامة والتحركات العسكرية ليست سوى تجليات لهذه الديناميكية المعقدة. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه “الهرولة” نحو التصعيد سترسم مستقبلًا أكثر استقرارًا للمنطقة، أم أنها ستزيد من حدة التوترات وتعمق حالة عدم اليقين. المراقبة الدقيقة لتطورات الأوضاع في الجزائر وسياستها الإقليمية باتت ضرورة ملحة لفهم مستقبل المنطقة المغاربية.






