سياسة

التنمية المختطفة بجهة فاس-مكناس: مشاريع فاشلة، عطش مزمن، وطرق في خبر كان… فمن يحاسب؟

في مشهد سريالي لا يليق إلا بالمسرح العبثي، انعقدت يوم 23 يونيو 2025 الدورة العادية للجنة الإشراف والمراقبة التابعة لوكالة تنفيذ المشاريع بجهة فاس-مكناس. اجتماعات، عروض، محاضر، جداول أعمال، ومصادقات “بإجماع الحاضرين” من رئيس و نواب الرئيس الى الاداريين ، فيما العالم القروي بالجهة يحتضر، والساكنة تُترك فريسة للعطش والتهميش والبؤس الممنهج.

بلاغ الجهة تحدّث بثقة عن تنفيذ المشاريع، وتتبع الأداءات، وتحيين الميزانيات، وتعديل الهيكل التنظيمي. لكن الواقع خارج مقر الجهة لا علاقة له بكل هذا الزخرف الإداري. على الأرض، هناك شيء آخر تماماً: جهة تتآكل بصمت، وتنمية مشلولة تُدار من وراء مكاتب مغلقة لا تعرف شيئاً عن الطين، ولا عن الصهاريج الفارغة، ولا عن أطفال يسبحون في الواد الحار بدل المسابح العمومية.

إقليم مولاي يعقوب… البؤس بدون سقف زمني

جماعات ترابية مثل مكّس، العجاجرة، سبت الوداية وغيرها، تعيش تحت خط الحياة. طرق متآكلة، بعضها لم يعد يُصنّف حتى كـ”مسلك”، انقطعت صلته بالجغرافيا منذ زمن. الفيضانات الأخيرة عرّت هشاشة البنية التحتية، غمرت الطرق، وطمست الممرات، بينما الجهة لم تحرك ساكناً سوى في تقاريرها الورقية.

فاس 24 عاينت وضع جماعة مكس بعد الفيضانات و جماعات اخرى، فوجدت أن الأوحال ما تزال جاثمة على مدخل الجماعة منذ شهور، وكأن الزمن توقف هناك، لا إصلاح، لا تدخل، لا حتى عذر رسمي.

العطش… الماء كشكل من أشكال الإذلال اليومي

في القرى الجبلية والنائية، أصبح الحصول على الماء مهمة مستحيلة. النساء والأطفال يحملون البراميل، يتنقلون على الدواب  كمن يبحث عن الحياة في مقبرة. صهاريج بلاستيكية فارغة، صنابير ميتة، آبار جفّت، والمشاريع التي كانت موعودة لإصلاح الوضع لم ترَ النور بعد، أو ضاعت في متاهات “الدراسة”، و”إعادة البرمجة”، و”الانتظار القاتل”.

هل يُعقل أن جهة تُفترض فيها الريادة التنموية، لا تستطيع تأمين أبسط الحقوق: شربة ماء؟ أم أن التنمية القروية صارت عبئاً في نظر المسؤولين، ففضّلوا إدارة الظهر لها؟

غابة عين الشقف وعين فيتال… عندما تذبل الطبيعة أمام أعين الجميع

نموذج صارخ آخر على فشل المقاربة الجهوية: غابة عين الشقف، بوابة فاس الطبيعية، تحولت إلى نقطة سوداء، تعاني من الإهمال البيئي، التخريب، الفوضى العمرانية، وغياب أي تدبير مندمج.  وهيكلة سياحية رغم كل ما أنفق سابقاً باسم “المشروع البيئي السياحي” من طرف مجلس جهة فاس مكناس ووكالته في تنفيذ المشاريع في اقل من سنة تواجه التخريب و التردي.

أما عين فيتال بإيفران، فقصتها مأساة مكررة: مشروع حيوي فقد بريقه بسبب غياب الصيانة، وترك الطبيعة عرضة للعشوائية. هل خُلقَت هذه المشاريع لتُنجز وتُنسى؟ أم أن سوء الحكامة بات هو النموذج التنموي الرسمي بالجهة؟ بعد ان صرفت عليها الأموال تم التخلي عنها و باتت تحتاجها الأعشاب الضارة

جهة تتغذى على المركز… والباقي “زائد تنموي”

الحقيقة المؤلمة أن الجهة، كما تدار اليوم، تنمو من “محور فاس-مكناس” وتتعفّن في باقي أطرافها. المشاريع تتركّز في المدن الكبرى، بينما الإقليمية والقرى تُترك لتصارع الفقر، والبطالة، والهجرة.

اللامساواة المجالية ليست عرضاً طارئاً بل نتيجة مباشرة لعقلية تسيير تعتمد على الواجهة وتهمل العمق.

فأين نصيب الأقاليم الأخرى؟ من قرى صفرو إلى جبال بولمان، ومن دواوير الحاجب إلى هوامش تاونات؟  الى  جماعات تازة المنسية أم أن معيار “القرب من فاس” صار هو الفيصل في توزيع التنمية؟

المال يُصرف… لكن لا أحد يسأل: أين النتيجة؟

في كل دورة، يتم الحديث عن “تنفيذ المشاريع”، “تحيين الاعتمادات”، “عرض الإنجازات”… لكن لا أحد يُسائل الأثر، لا أحد يقيّم المردودية. كم من مشروع انطلق وانتهى؟ كم من درهم صرف فعلياً؟ من استفاد؟ من راقب؟ من حوسب؟

المجالس المنتخبة صارت رهينة العجز أو الحسابات الضيقة، لا تتوفر على رؤية جهوية موحدة، ولا قدرة على التنزيل الحقيقي لأي خطة تنموية ذات معنى. والوكالة التي أُنشئت لتكون ذراعاً تنفيذياً تحولت إلى مكتب تقني فاقد للمبادرة.

خلاصة: ما لا يُنجز في الميدان، لا قيمة له في المحاضر

الجهة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الاجتماعات، ولا لمصادقات شكلية بالإجماع، بل إلى ثورة فعلية في العقلية والجرأة في التوزيع العادل للمشاريع، ومحاسبة واضحة للمسؤولين عن الفشل المتراكم.

فالسكان لا يشربون البلاغات، ولا يسلكون المحاضر المعبّدة، ولا يُطعمهم الهيكل التنظيمي، بل يحتاجون الماء، والطرقات، والكرامة وهو مايساءل نجاعة مشاريع الجهة و التي ندعوا منتخبيها بزيارة تفقدية الى طرقات و صنابير و براميل القريبة منهم و التي لا تبعد سوى الكيلومترات للوقوف بانفسهم عن الواقع المظلم للمواطنين الذين اختاروا قصرا العيش تحت عتبة الفقر المذقع.

التنمية في جهة فاس-مكناس ليست متعثرة فقط… إنها مختطفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى