“إليكسيفا” تسمّم فاس وتفسد نهائي كأس العرش: روائح الفشل تفوح من”مزرعة” صفقات العمدة البقالي!

بينما كانت أنظار المغاربة متجهة إلى نهائي كأس العرش بمركب فاس، في أجواء احتفالية حضرها الأمير مولاي رشيد، انفجرت فضيحة مدوية: المدينة كانت تغلي تحت غازات “إليكسيفا” السامة، المنبعثة من مطارح النفايات القريب بطريق سيدي احرازم، في وقت لم يجد فيه العمدة عبدالسلام البقالي غير التفرج… والتصريح بصرف 22 مليار على شركات “نظافة” لا ترفع حتى الأزبال من أمام المنازل.
كارثة بيئية بصبغة رسمية. فاس غرقت مساء الأحد الأخير في روائح خانقة، وسط ذهول الآلاف داخل المركب الرياضي، بمن فيهم شخصيات عليا ضمن الوفد الرسمي، فيما كان العمدة حاضراً يتنفس “ليكسيفا” كغيره، لكنه دون أن يتحرك قيد أنملة. المناسبة وطنية، الاحتضان كأس العرش، لكن التدبير محلي… والروائح تكشف المستور.
مدينة فاس باتت رهينة نفاياتها وغازاتها القاتلة، بعدما فشل المجلس الجماعي والعمدة البقالي في تطويق الكارثة المتواصلة منذ سنوات، والتي تنفجر كل صيف مع ارتفاع الحرارة وتوقف الرياح، لتتحول إلى تهديد مباشر لحياة السكان، وسط مؤشرات على احتمال تسجيل حالات اختناق وتسمم بيئي، دون وجود أي خطة استباقية أو طوارئ حضرية.
والأدهى؟ أن العمدة لم يتحرك ليعتذر للساكنة، بل عقد لقاء صحفياً أمس الإثنين، ليبشر ويتباهى بإنطلاق بصفقات نظافة جديدة بقيمة 22 مليار سنتيم، ذهبت لشركتين تحت شعار “انطلاقة جديدة”، بينما لشهور بعد الصفقات الغامضة الأحياء غارقة في الأزبال، الحاويات مكسّرة، الشوارع ملوّثة، والعمال يشتكون من غياب الأدوات، تأخر الأجور، وشاحنات مهترئة بالكاد تصل إلى الأحياء.
العمدة البقالي، بدل محاسبة الفشل، يروّج للواجهة. يبيع الوهم بمصطلحات مستوردة، ويعجز حتى عن ترجمة دفاتر التحملات من الفرنسية إلى العربية، ما يجعل مناقشتها داخل المجلس الجماعي مجرد عملية شكلية، يصوّت عليها مستشارون بعضهم لا يفرق بين القانون والقمامة!
“إليكسيفا” لم تعد فقط غازاً قاتلاً، بل رمزاً لفشل العمدة، وسقوط النموذج المفترض لحزب التجمع الوطني للأحرار في تدبير شؤون فاس. من نظافة غائبة، إلى نفايات منتشرة، إلى “تدبير مفوض” يلتهم المليارات مقابل خدمات متدهورة، في وقت تستمر فيه شركات النظافة في التنصل من التزاماتها، بينما لا أحد يجرؤ على تفعيل الغرامات، أو حتى الحديث عن المحاسبة.
نهائي كأس العرش الذي أفسدته الروائح السامة، لن يُمحى بسهولة من ذاكرة الفاسيين. إنه العار الذي اختنق فيه المواطن إلى جانب الضيف الكبير. وإن كان العذر الوحيد للعمدة هو أنه استنشق السمّ بدوره، فهل يُعفى من المسؤولية لأنه “شاهد على الفضيحة”؟ أم تُفتح التحقيقات الجدية في هذا العبث البيئي والسياسي، الذي بات يهدد ليس فقط وجه المدينة، بل حياة سكانها؟
لقد تحوّلت أحواض عصارة “ليكسيفا” بمطرح النفايات بطريق سيدي احرازم إلى قنبلة بيئية موقوتة، تنفجر سمومها كل يوم في صمت مريب. هذه الأحواض، التي من المفترض أن تكون تحت المراقبة الصارمة والتدبير البيئي الدقيق، تُركت لتتحول إلى مصدر دائم لتلويث الهواء والماء والتربة، بينما العمدة عبدالسلام البقالي لا يحرك ساكناً، بل يبدو وكأنه يتفرج على مشهد الهلاك الجماعي بصمت بارد.
فـ”ليكسيفا” لم تعد مجرّد عصارة نفايات، بل باتت أداة لتخريب البيئة، وإبادة الصحة العامة، وسلاحاً صامتاً يُستخدم ضد ساكنة فاس، في تواطؤ فاضح بين شركات المفوض لها التدبير ومجلس جماعي غارق في العجز والفضائح.
وفي تصريح لأحد سكان طريق صفرو لفاس 24، قال بغضب:
“لم نعد قادرين على تحمّل هذه الروائح الخانقة التي تنبعث من المطرح. نحن نعيش تحت حصار دائم من الغازات السامة، وخصوصاً في ظل موجة الحر الشديدة. الروائح تدخل منازلنا وتوقظ أطفالنا ليلاً من شدّة الاختناق، وأصبحنا مضطرين إلى إغلاق النوافذ حتى في عز الصيف، ومع ذلك لا مهرب من التلوث. نسأل المجلس: أين ذهبت 22 مليار سنتيم التي صُرفت على شركات النظافة؟ وأين هو العمدة مما نعيشه؟”،و أين الملايير التي أعطيت لشركات بدون حسيب و لا رقيب؟
هذا التصريح ليس سوى نموذج من مئات الأصوات التي تتصاعد من أحياء فاس الملوثة، في ظل صمت قاتل للمجلس الجماعي، وعجز تام عن مواجهة الوضع، بينما تستمر شركات التدبير المفوض في التهرب من مسؤولياتها وتقديم أعذار واهية.
فاس لم تعد مدينة الألف سنة، بل مدينة الألف شبهة، في زمنٍ تحكمه سياسة “المزرعة” و”المصالح”، على حساب البيئة، الصحة، والكرامة. فهل من تدخل مسؤول يعيد الأمور إلى نصابها؟ أم أن “الليكسيفا” ستبقى الحاكم الفعلي للمدينة؟






