إقليم بولمان… صرخة “المغرب غير النافع” تتردد في دوار “المسارح” وعامل الإقليم في “دار غفلون”!

من قلب “المغرب غير النافع”، ومن عمق جبال الأطلس التي تحتضن إقليم بولمان، ارتفعت صرخات مدوية تجسد عمق الأزمة التنموية والعدالة المجالية التي ينادي بها جلالة الملك محمد السادس. دوار المسارح، التابع لجماعة أولاد علي يوسف بدائرة أوطاط الحاج، لم يكن سوى نقطة فيض من بحر الغضب الشعبي الهادئ والحضاري الذي بدأ يغلي في قرى وهوامش إقليم يصنَّف رسمياً ضمن أفقر الأقاليم بجهة فاس مكناس (التي تعد من أكثر جهات المملكة فقراً حسب تقارير المندوبية السامية للتخطيط).
لقد كانت وقفة سكان دوار المسارح، الذين ساروا على أقدامهم منذ ساعات صباح أمس، بمثابة برقية احتجاج بلغة العيش الكريم. مطالبهم لا تتعدى أبجديات الحق في الحياة: غياب شبكة الاتصال والإنترنت في زمن التحول الرقمي، توقف مشروع الطريق الذي كان شريان الأمل الوحيد لفك العزلة، وانعدام البنية التحتية الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم.
عامل الإقليم.. خارج التغطية التنموية!
إن هذه المشاهد المأساوية تضع عامل إقليم بولمان (ميسور) في قفص الاتهام مباشرة. في الوقت الذي تتردد فيه الخطابات الملكية بضرورة بلورة “رؤية جديدة للتنمية المجالية” تراعي التباينات وتنهي سياسة “المركز والهامش”، يبدو المسؤول الأول على الإقليم وكأنه يشتغل خارج التغطية، أو في “دار غفلون”، لا يصله صدى احتجاجات الساكنة ولا حرارة معاناتها اليومية.
فهل يعقل أن إقليماً شاسعاً بحجم بولمان، الذي يضم مدناً وبلدات كـ “ميسور” و”بولمان” نفسها، ويتمتع بمؤهلات طبيعية (كالغاسول والموارد الفلاحية والسياحة الجبلية)، يظل عاجزاً عن الترافع لتنزيل مشاريع هيكلية تخرجه من قائمة الأفقر؟ إن عجز العامل عن تحقيق العدالة المجالية داخل إقليمه وتأمين أبسط الخدمات للسكان، وترك المشاريع التنموية الحيوية (كالطرق) رهينة التوقف والنسيان، يمثل فشلاً ذريعاً في مهامه التنموية، وضرباً في صميم الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى محاربة الفقر والتهميش.
الفقر ليس قدراً.. بل نتيجة لسياسات معطوبة
إن كون جهة فاس مكناس من بين أكثر الجهات فقراً في المغرب بنسبة تفوق 10%، يضع إقليم بولمان في صدارة التحدي التنموي. فبدل أن يكون إقليم ميسور “ميسوراً” حقاً كما يوحي اسمه، بات عنواناً للبؤس واللامساواة. وما وقفة دوار المسارح سوى جزء من كل، يذكّر بـ “جيوب الحرمان” المنتشرة في العالم القروي بالإقليم، والتي تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، حتى في ظل الحديث عن إنجازات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي لا يبدو أثرها ملموساً في فك العزلة كلياً عن هذه المناطق النائية.
إن سكان هذا الإقليم الجبلي، المصنَّف ظلماً ضمن مناطق “المغرب غير النافع”، يطالبون اليوم بمساءلة حقيقية لهذا التقصير. فهل سيتدخل عامل إقليم بولمان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وينخرط بجدية في الرؤية الملكية للتنمية، أم سيكتفي بموقعه “خارج التغطية”، ليترك المنطقة تغرق أكثر في مستنقع العزلة والتهميش؟ الإجابة لن تكون بالبيانات الإنشائية، بل بتنزيل فوري وعاجل لمشاريع فك العزلة، وضخ الأوكسجين في شرايين التنمية المجالية المنسية.






