إقصاء ممنهج وتجاهل للقانون”: غضب يعصف بمجلس جماعة فاس بعد تهميش أسئلة المعارضة الحاسمة! و عمدة المدينة يواجه اتهامات بـ”الديكتاتورية” و”تكميم الأفواه”

فاس24: عبدالله مشواحي الريفي
في خطوة تصعيدية تنذر بعواقب وخيمة على المشهد السياسي المحلي بمدينة فاس، يواجه عمدة المدينة، عبد السلام البقالي، عاصفة من الانتقادات الحادة بعد قراره المثير للجدل بإقصاء أسئلة المعارضة من جدول أعمال دورة ماي العادية للمجلس الجماعي. هذا الإجراء، الذي وصفته فعاليات سياسية وحقوقية بـ “السابقة الخطيرة” و”الضربة القاضية للديمقراطية المحلية”، يأتي في سياق احتقان متزايد تشهده العاصمة العلمية، التي ترزح تحت وطأة مشاكل بنيوية وتدبير يعاني من أوجه قصور متعددة.
فقد عمد العمدة البقالي، في خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، إلى تجاهل الأسئلة التي كان من المقرر أن يطرحها ثلاثة منتخبين يمثلون أطيافاً سياسية مختلفة: علي بومهدي، القيادي البارز في جبهة القوى الديمقراطية، والذي عرف بمواقفه النقدية الجريئة؛ وحكيم بنسلام، العضو الذي اختار الانحياز إلى صف المعارضة النقدية رغم انتمائه الأصلي إلى حزب الأصالة والمعاصرة (الذي يشكل جزءاً من الأغلبية)، معبراً بذلك عن استيائه من طريقة تدبير الشأن المحلي؛ بالإضافة إلى فريق حزب العدالة والتنمية، الذي كان يحضر بدوره لطرح ملفات وقضايا تهم المواطنين.
و قال بومهدي من المعارضة للجريدة الإلكترونية فاس 24،أن قرار إقصاء العمدة لاسئلته يتعارض بشكل سافر مع مقتضيات المادة 46 من القانون التنظيمي للجماعات، وخاصة المواد 113 و114 من النظام الداخلي لمجلس جماعة فاس، التي تضمن حق أعضاء المجلس في تقديم الأسئلة الكتابية والشفوية وإدراجها في جدول الأعمال.
وتضمنت الأسئلة التي تم إقصاؤها محاور حساسة وملحة تلامس صميم معاناة ساكنة العاصمة العلمية، و التي كان يود علي بومهدي طرحها من بينها:
- الشفافية والحكامة: حيث تساءل عن الإجراءات التي اتخذتها الجماعة لضمان الشفافية في تدبير الميزانية السنوية، وعن مصير المشاريع التي تم تمويلها خلال السنة الحالية. كما طالبوا بتقديم تقرير مفصل حول الصفقات العمومية التي أبرمتها الجماعة خلال السنة الجارية، مع تحديد معايير الاختيار والشركات الفائزة.
- البنية التحتية والتعمير: تضمنت الأسئلة استفسارات حول المشاريع المتوقفة أو المتعثرة في مجال البنية التحتية، مثل الطرقات والتطهير السائل والإنارة العمومية. كما طالب المنتخبون بتقديم خطة واضحة لإصلاح الأحياء التي تعاني من تدهور البنية التحتية، خاصة في المناطق الشعبية والهامشية.
- النظافة والبيئة: عبر عن قلقه إزاء تردي خدمات النظافة وتراكم الأزبال، مطالبين بتوضيح الإجراءات المتخذة لتحسين جودة هذه الخدمة. كما استفسروا عن تصور الجماعة لمعالجة مشكل الفيضانات الموسمية وتأثيرها على المدينة، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
هذه الأسئلة “الحارقة”، التي اختار العمدة البقالي تجاهلها، تعكس عمق الأزمة التي تعيشها مدينة فاس، التي باتت تعاني من تدهور ملحوظ في بنيتها التحتية وغياب المرافق الأساسية، وسط تذمر متزايد من الساكنة،و ذلك دون الخوض في مشاريع كأس إفريقيا و المونديال لآنها توجد في دفتر تحملات “الفيفا” و لا يحق لأي مجلس منتخب أو سياسي الركوب على المشاريع الكبرى في تأهيل فاس و هي من بين المنجزات الملكية .
هذا الإقصاء “التعسفي”، كما وصفه المتضررون، لا يقتصر فقط على تهميش دور المعارضة، بل يتعداه ليطال حق الساكنة في مساءلة منتخبيهم حول قضايا جوهرية تمس حياتهم اليومية. فالأسئلة التي تم إسقاطها من جدول الأعمال كانت تتناول ملفات حارقة، من قبيل الشفافية في تدبير المال العام والصفقات العمومية، والتي لطالما كانت محط تساؤلات وشبهات في تدبير الشأن المحلي بفاس. كما همشت قضايا البنية التحتية المتهالكة التي باتت وصمة عار على جبين العاصمة العلمية، حيث يعاني السكان من طرق مهترئة، وشبكات تطهير متهالكة، وإنارة عمومية غائبة في العديد من الأحياء. وقطاع النقل الحضري المنعدم ،ولم يسلم ملف النظافة والبيئة من هذا الإقصاء، رغم التذمر المتزايد من تراكم النفايات وتأثيرها السلبي على جمالية المدينة وصحة سكانها، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وما يحمله من تحديات مناخية،رغم أن جماعة فاس فوتت القطاع ب 22 مليار لشركتين للنظافة إلا أن الإشتغال لم يبدأ رغم مرور شهورا و تجاوز ستة اشهر التي كانت كمرحلة إنتقالية وفق دفتر التحملات.
إن قرار العمدة البقالي، الذي يضرب عرض الحائط بالقوانين المنظمة لعمل المجالس الجماعية، وبالأعراف الديمقراطية التي تقتضي إشراك جميع مكونات المجلس في مناقشة قضايا المدينة، يثير تساؤلات عميقة حول رؤيته للحكامة المحلية. فبدلاً من فتح قنوات الحوار والاستماع إلى آراء ومقترحات المعارضة، يلجأ العمدة إلى أسلوب “الإقصاء والتهميش”، وهو ما يرسخ صورة قاتمة عن طريقة تدبيره لشؤون العاصمة العلمية،و سيجعله الى تأجيج الأوضاع يوم الدورة.
هذه الصورة القاتمة تتجلى بوضوح في الواقع اليومي لساكنة فاس، التي باتت تتجرع مرارة غياب أبسط مرافق الحياة الكريمة. فالمدينة التي كانت يوماً رمزاً للعراقة والأصالة، تشهد اليوم تدهوراً مطرداً في بنيتها التحتية، وإهمالاً متزايداً لأحيائها الشعبية والهامشية. المواطنون يعانون في صمت من تردي الخدمات الأساسية، ويشعرون بتهميش مطالبهم وتجاهل معاناتهم.
وفي ظل هذا الوضع المتأزم، يبدو أن قرار العمدة البقالي بإقصاء المعارضة لن يمر مرور الكرام. فالمنتخبون المقصيون يعتزمون التحرك على أكثر من صعيد، بدءاً بتوجيه شكاية مستعجلة إلى والي جهة فاس مكناس، للطعن في هذا القرار الذي يرونه “غير قانوني” و”مخالفاً للديمقراطية”. كما يلوحون باللجوء إلى القضاء الإداري، سعياً لإنصافهم واستعادة حقهم في ممارسة دورهم الرقابي والتشريعي داخل المجلس.
إن هذه التطورات تنذر بدورة جماعية “حارقة” بكل المقاييس، وقد تتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين الأغلبية والمعارضة، مما يزيد من تعميق الأزمة السياسية في المدينة ويعرقل أي جهود محتملة للنهوض بأوضاعها المتردية. فبدلاً من تضافر الجهود والعمل المشترك لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه فاس، يبدو أن العمدة البقالي يختار منطق “تكسير العظام” وتأجيج الخلافات، وهو ما ينعكس سلباً على مستقبل العاصمة العلمية ورفاهية سكانها.
يبقى السؤال معلقاً: هل سيستمع والي الجهة إلى صوت العقل ويتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مجلس فاس؟ وهل سيتحمل القضاء الإداري مسؤوليته في حماية مبادئ الديمقراطية المحلية وضمان حقوق المنتخبين؟ الأيام القادمة ستكشف عن مصير هذه الأزمة التي تهدد بتعميق جراح مدينة عريقة باتت تتوق إلى قيادة رشيدة قادرة على إخراجها من عنق الزجاجة بعد أن بات لا يفصلنا سوى سبعة اشهر عن تنظيم أربع مباريات بفاس لكأس إفريقيا للأمم.






