أسواق الأوحال: لماذا فشلت الجماعات القروية في تأهيل شرايينها الاقتصادية؟ والقرار بيد وزير الداخلية لفتيت!

مع كل تساقطات مطرية، تتحول الأسواق الأسبوعية في العالم القروي إلى مستنقعات من الأوحال، تُغرق الحركة التجارية وتشوه صورة هذه الفضاءات التي تُعد شرياناً اقتصادياً واجتماعياً لملايين المواطنين. وبينما يواجه التجار صعوبة التنقل، وتتعرض البضائع للتلف، يعود السؤال المؤرق إلى الواجهة: أين تذهب مداخيل هذه الأسواق؟ ولماذا تفشل الجماعات القروية عاماً بعد عام في تأهيلها رغم الموارد التي تجنيها؟
تُعد الأسواق الأسبوعية إحدى أقدم البنيات الاقتصادية بالعالم القروي، حيث تشكل نقطة التقاء للفلاحين، والتجار، والساكنة المحلية. ورغم هذا الدور المحوري، لا تزال هذه الفضاءات تعيش بمنطق “العجز التاريخي”، إذ تقام غالباً فوق أراضٍ غير مُهيكلة، دون تعبيد ولا صرف صحي ولا إنارة، ما يجعلها تتحول إلى برك ضخمة من الطين فور سقوط أي كمية من الأمطار. ومع غياب الأرصفة والملاجئ الواقية، تصبح عملية عرض السلع أو نقلها معاناة يومية تُهين كرامة المواطن وتكبد التجار خسائر مالية فادحة.
ورغم أن الجماعات القروية تُحصّل مداخيل مهمة من عائدات السوق، سواء عبر رسوم الاستغلال أو الضرائب اليومية، إلا أن حجم الاستثمار في البنية التحتية يبقى ضعيفاً إلى حد الصفر في العديد من المناطق. فبدل إعادة تأهيل هذه الفضاءات وضمان شروط السلامة والجودة التجارية، تُوجّه الموارد غالباً نحو مشاريع أخرى أقل إلحاحاً، أو نحو نفقات تفتقد لأولويات التنمية.
وفي سياق هذا الوضع المقلق، خرج وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بتصريحات رسمية أكد فيها إدراك الحكومة لخطورة اختلالات الأسواق الأسبوعية، مشدداً على أن تأهيلها بات ضرورة وطنية مستعجلة. وكشف الوزير أن الدولة رصدت ميزانيات ضخمة لدعم الجماعات في عمليات الهيكلة، تشمل التعبيد، وبناء الأسوار، وإحداث مرافق صحية، وربط الأسواق بالصرف الصحي. هذه البرامج تأتي تنفيذاً للتوجيهات الملكية الداعية إلى تقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف العيش في الوسط القروي.
غير أن وتيرة تنزيل هذه المشاريع لا تزال بطيئة في عدة أقاليم، ما جعل الملايير المرصودة سجينة الأوراق، فيما يواصل التجار والساكنة معاناتهم مع أوحال الشتاء كل عام. البطء وحده ليس المشكلة، بل غياب مبادرة الجماعات المحلية لوضع ملفات جاهزة للاستفادة من التمويلات، وضعف الحكامة في إعداد برامج التنمية، وتهميش الأسواق الأسبوعية رغم دورها الاقتصادي الحيوي.
إن كارثة أسواق الأوحال ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب رؤية تدبيرية لدى الجماعات التي كان بإمكانها، على الأقل، إعادة استثمار جزء من مداخيل السوق في صيانته وتأهيله. هذا التقصير لا يؤثر فقط على النشاط التجاري، بل يعرقل الاستثمار الفلاحي ويرسخ الفوارق المجالية، ويضرب في العمق أهداف النموذج التنموي الجديد الذي يضع العالم القروي ضمن أولوياته.
اليوم، ومع حديث وزير الداخلية عن الأغلفة المالية المتاحة، تحولت الكرة إلى ملعب الجماعات القروية. فإما أن تتحرك بجدية لإعداد الملفات والولوج إلى التمويل، وإما أن تستمر معاناة المواطنين في فضاءات تُشبه العصور الوسطى. لقد آن الأوان لتحويل هذه الأسواق من “مستنقعات طينية” إلى مراكز تجارية منظمة، تحفظ كرامة المواطن وتنهض بالتنمية القروية.






