اقتصاد

أزمة الثقة تضرب “زيت الزيتون”: “العصر الذاتي” هوية المستهلك المغربي الجديدة رداً على “الغش و غياب الجودة”

في ظل موسم فلاحي وُصف بالـ “وفير” بالنسبة لمحصول الزيتون، يتفاقم في المقابل ملف الغش التجاري في زيت الزيتون بالمغرب ليتحول إلى “أزمة ثقة” عميقة بين المستهلك والمنتج. لم يعد المواطن المغربي يطمئن لـ “برميل زيت الزيتون”، مفضلاً اللجوء إلى إجراء غير مسبوق هو “العصر الذاتي”؛ حيث يتكفل بشراء الزيتون بنفسه والإشراف على طحنه في المعصرة، ليتحول المستهلك إلى رقيب على جودة مادة غذائية أساسية تهدد عمليات تزويرها صحته بشكل مباشر.

يؤكد مهنيون وجمعيات حماية المستهلك أن هذا الإقبال الكثيف على “الطحن الذاتي” ليس مجرد سلوك اختياري، بل هو رد فعل اضطراري على موجة الغش المتواترة التي كشفت عن شبكات منظمة تستغل غياب الرقابة لتسويق منتجات غير مطابقة للمواصفات، مما يضع سلامة المستهلكين وسمعة المنتوج الوطني على المحك.

لم تعد عمليات الغش تقتصر على خلط الزيوت، بل أصبحت ترقى إلى مستوى “التسميم الغذائي” حسب ما كشفته التحقيقات والضبطيات الأخيرة. ووفقاً لعبد الكريم الشافعي، نائب رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، فإن الظاهرة واقعية وتشمل أشكالاً خطيرة:

  • تزوير اللون والطعم: يتم خلط بقايا الزيتون المعصورة (التفل/المرجان) مع الزيت الرومي النقي (غير البكر)، وإعادة عصرها لإنتاج زيت يمتلك اللون البلدي فقط، لكنه يفتقر إلى الجودة والخصائص الغذائية. وقد تم رصد ممارسات أخرى كإضافة مواد كيميائية وملونات أو حتى أوراق الزيتون والأعشاب لمنح الزيت لوناً أخضراً زائفا.

  • الزيت العتيق والأسعار المشبوهة: الإقبال على خلط الزيت المتبقي من المواسم الماضية مع الزيت الجديد، وبيعه بأسعار متدنية جداً تراوحت بين 60 و 70 درهماً للتر، بينما كانت هناك ضبطيات لزيت مغشوش يُباع بأسعار لا تتجاوز 30 درهماً للتر الواحد، وهو ما يؤكد خطورة الممارسات التي تهدف فقط إلى تحقيق أرباح غير مشروعة.

على الرغم من عدم توفر أرقام رسمية موحدة حول حجم الغش، فإن الضبطيات الأمنية والإشارات البرلمانية تعكس حجم الكارثة:

  • ضبط الأطنان: كشفت تقارير إخبارية، على فترات متواترة، عن حجز أطنان من زيت الزيتون المغشوش، ومداهمة شبكات منظمة تقوم بخلط الزيت البلدي مع زيوت صناعية ومواد كيميائية مجهولة المصدر، يتم تغليفها وبيعها للمستهلكين.

  • البرلمان يطالب بالتدخل: أثارت هذه الفضيحة البرلمان المغربي الذي وجه أسئلة كتابية لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، داعياً إلى التدخل العاجل وتشديد الرقابة، ومحذراً من أن هذه الممارسات تشكل تهديداً مباشراً للصحة العامة للمواطنين وتضرب سمعة المنتوج الوطني.

أمام هذا الواقع المرير، أصبح “العصر الذاتي” هو الضمان الوحيد للمواطنين.

  • الحاجة إلى الجودة: يؤكد ميلود الرماح، منتج زيتون وفلاح بشيشاوة، أن الإقبال على شراء الزيتون والتكفل بطحنه ذاتياً “انتشر بشكل كبير هذا الموسم لتجنب الغش أو التزوير”، مشيراً إلى أن ذلك نتيجة طبيعية لفقدان الثقة.

  • دعم الخطوة: تشجع جمعيات حماية المستهلك المواطنين على هذه الخطوة، مؤكدة أنها “تضمن الحصول على زيت عالي الجودة ونقي” وتغلق الباب أمام محاولات الغش.

هذا التحول، وإن كان إيجابياً للمطاحن التي تستفيد من خدمة العصر، إلا أنه يعكس في جوهره تخلي الأجهزة الرقابية عن دورها بشكل كافٍ في حماية المستهلكين.

يفرض الوضع الحالي على المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) ووزارة الفلاحة، تكثيف الرقابة الميدانية والتحاليل المخبرية، وفرض عقوبات صارمة ورادعة على كل من يثبت تورطه في التلاعب بهذه المادة الأساسية، تصل إلى إغلاق المعاصر والمنشآت المخالفة وسحب التراخيص نهائياً، لإنهاء زمن “الاستهتار بالصحة العامة” واستعادة الثقة في “الذهب الأخضر” المغربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى