قضايا

أحكام متتالية تكشف شبكة غسل أموال مترابطة تمتد من المخدرات إلى العقارات الفاخرة

مع دخول العدّ العكسي للسنة القضائية 2025، شهدت المحكمة الابتدائية بالرباط واحدة من أكثر الجلسات صرامة واحتداماً، بعدما أصدرت أحكاماً غيابية وحضورية هزّت المشهد القانوني والمالي معاً. فقد وجدت عشرات الأسماء نفسها أمام قرارات حاسمة أنهت سنوات من مراكمة الثروات المشبوهة، المتحصلة من الاتجار الدولي في المخدرات والرشاوي وتبديد المال العام.

و أسقطت المحكمة أحكاماً غيابية في خمسة عشر ملفاً منفصلاً، ليصل مجموع المتابعين إلى 42 شخصاً. وقد أدين 31 منهم غيابياً بعد تخلفهم عن حضور جلسات متتالية، بينما خضع خمسة لمحاكمة حضورية، في حين استفاد تسعة من البراءة بعد أن اقتنعت هيئة الحكم بغياب الأفعال الجرمية المنسوبة إليهم.

ورغم منح المحكمة مهلاً متكررة للمتابعين استجابة لطلبات الدفاع، إلا أن تخلف البعض عن الحضور مرة أخرى جعل الأحكام الغيابية تتكرر في حقهم للمرة الثانية، ما اعتبر رسالة حازمة بأن التملص من العدالة لم يعد ممكناً.

أحد أكثر عناصر الملف إثارة كان قرار المحكمة بمصادرة كامل الممتلكات الثابتة والمنقولة التي راكمها المدانون خلال السنوات الماضية. وشملت المصادرات عقارات، أرصدة بنكية، عربات فاخرة، ومنقولات مسجلة في “نارسا”، وذلك لفائدة خزينة الدولة.

وقد جاءت هذه الأحكام تماشياً مع ملتمسات النيابة العامة التي طالبت بتطبيق صرامة القانون على كل من ثبت تورطه في توظيف أموال المخدرات والعمولات غير المشروعة في أنشطة تجارية وعقارية تستخدم لتمويه الأصل الإجرامي للأموال.

في المقابل، أسقط القضاء الحجوزات التحفظية عن الممتلكات المجمدة للمتابعين الذين كشفت الأبحاث غياب أي علاقة لهم بجرائم غسل الأموال. وتم رفع العقل عن الحسابات البنكية والعقارات والمنقولات التي جرى تجميدها طوال المراحل السابقة، ما أعاد إليهم وضعيتهم المالية والقانونية الطبيعية.

أرفقت المحكمة أحكامها بغرامات وصلت إلى مليوني سنتيم بالنسبة للمدانين، كما صادقت على صحة التعرضات في ثلاثة ملفات سبق الحكم فيها غيابياً، غير أن المفارقة كانت في تخلف بعض المتعرضين مجدداً رغم منحهم فرصة جديدة، ليجدوا أنفسهم أمام أحكام غيابية متجددة.

التحقيقات التي أشرفت عليها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية والأجهزة المختصة لم تقتصر على تتبع التحويلات المالية، بل امتدت إلى مؤسسات بنكية، المحافظة العقارية، الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، وحتى مؤسسات بحرية.

وقد كشفت هذه الأبحاث تراكماً لثروات كبيرة في ظروف لا تتناسب مع الوضع المالي الحقيقي للمتابعين، ما أثبت وجود شبكات ممتدة تضم تجار مخدرات، وسطاء، موظفين في الأمن والدرك والجمارك والبحرية الملكية، إضافة إلى رجال أعمال وملاك ضيعات فلاحية.

بهذه الأحكام، تنهي المحكمة الابتدائية بالرباط سنة قضائية اتسمت بملفات ذات حساسية عالية، مؤكدة أن زمن الإفلات من العقاب يضيق، وأن رقابة المال العام أصبحت أكثر صرامة. وهو ملف مرشح لأن يفتح الباب على متابعات أخرى مع تعمق التحقيقات في مصادر الثروات المُريبة، خاصة في قضايا الاتجار الدولي في المخدرات وتبييض الأموال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى