فاس.. انطلاق أشغال المؤتمر الدولي الرابع عشر لتاريخ الطب بحضور الأمير تركي الفيصل ومشاركة باحثين دوليين

انطلقت صباح اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، برحاب كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس، أشغال المؤتمر الدولي الرابع عشر لفاس حول تاريخ الطب، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في موضوع «الأخلاقيات الطبية: الجذور التاريخية والتحديات المعاصرة»، بمشاركة شخصيات أكاديمية وعلمية مغربية ودولية، وبحضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.
وينظم هذا الموعد العلمي لجنة التراث بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، بشراكة مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في دورة تجعل من التراث الطبي الإنساني منطلقا لمناقشة التحولات العميقة التي تعرفها الممارسة الطبية، وما تطرحه من أسئلة أخلاقية وقانونية وعلمية تتصل بمسؤولية الطبيب وحقوق المريض ومستقبل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
ويكتسي هذا المؤتمر أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة موضوعه، الذي يربط بين الجذور التاريخية للأخلاقيات الطبية والتحديات المعاصرة، في وقت لم يعد فيه النقاش حول الطب مقتصرا على تطور وسائل التشخيص والعلاج، بل امتد إلى قضايا حماية المعطيات الصحية، وضمان سرية المعلومات الشخصية، وحدود التدخل العلمي، والمسؤولية المترتبة عن القرارات الطبية، فضلا عن الأسئلة الجديدة التي يطرحها توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي.

الأمير تركي الفيصل يستحضر إسهامات التراث الطبي
وشهد اللقاء مشاركة صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، الذي ألقى محاضرة علمية حول تاريخ الطب في التراث الثقافي، مستحضرا الأبعاد الحضارية للمعرفة الطبية، والإسهامات التي قدمها العلماء العرب والمسلمون في بناء الرصيد العلمي الإنساني وتطوير الممارسات الطبية عبر العصور.
وتحمل هذه المشاركة دلالات تتجاوز الحضور البروتوكولي، بالنظر إلى الدور الذي يضطلع به مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في حفظ التراث العلمي والثقافي ودراسته ونشره، وما يتيحه التعاون مع الجامعة المغربية من فرص لتبادل الخبرات وتطوير البحث الأكاديمي في تاريخ الطب.
كما تندرج مشاركة المركز السعودي ضمن الشراكة العلمية التي تجمعه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، في إطار تعزيز التعاون المغربي السعودي في مجالات البحث والتوثيق وصيانة الذاكرة الحضارية المشتركة.
ويتضمن البرنامج الرسمي للمؤتمر توقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين الجامعة ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، إلى جانب تكريم الأمير تركي الفيصل، بما يعكس الرغبة في تحويل اللقاء العلمي إلى محطة لتعزيز العلاقات المؤسساتية وتطوير مبادرات مشتركة في مجال التراث الطبي.
وسجل المؤتمر كذلك مشاركة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، محمد ولد أعمر، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والباحثين والخبراء المهتمين بتاريخ الطب والأخلاقيات البيولوجية والقانون الطبي والتراث العلمي والحضاري.

رئيس الجامعة يشيد بالرعاية الملكية ويستحضر المكانة العلمية لفاس
وفي كلمته الافتتاحية، عبر رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله، المصطفى اجاعلي، عن اعتزازه بتنظيم هذا المؤتمر الدولي تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، موجها الشكر والامتنان إلى جلالة الملك على دعمه المتواصل للعلم والعلماء وللجامعة المغربية.
وأكد رئيس الجامعة، في مضمون كلمته، أن احتضان فاس لهذا الموعد العلمي يستمد دلالته من المكانة التاريخية والحضارية التي راكمتها المدينة، باعتبارها إحدى الحواضر العلمية العريقة التي شكلت عبر القرون فضاء للتلاقي الحضاري والحوار الديني والتسامح الفكري.
واستحضر في هذا السياق جامعة القرويين باعتبارها شاهدا بارزا على عمق التجربة العلمية المغربية، وعلى الدور الذي اضطلعت به فاس في نشر المعرفة وتكوين العلماء وتعزيز التواصل بين الثقافات. كما رحب بالوفد السعودي وأعضاء مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وبمختلف الباحثين المشاركين، معتبرا أن هذا اللقاء يشكل فرصة لتوطيد العلاقات الأكاديمية وتبادل التجارب والخبرات في مجال البحث العلمي.
وتعكس هذه الرسائل، في جوهرها، حرص الجامعة على ربط إشعاعها التاريخي بانفتاح علمي معاصر، يجعل من التراث منطلقا لإنتاج المعرفة وليس مجرد مادة للاستذكار، ويعزز حضور فاس في النقاشات الأكاديمية الدولية حول قضايا العلم والإنسان.
18 جلسة علمية تناقش أخلاقيات الطب من التراث إلى الذكاء الاصطناعي
ويتميز البرنامج العلمي للمؤتمر بتعدد محاوره وتنوع مقارباته، إذ يتضمن 18 جلسة موضوعاتية ترصد تطور الأخلاقيات الطبية في مختلف الحضارات، وتستحضر مساهمات التراث العربي الإسلامي في بناء القواعد المهنية المنظمة للممارسة الطبية.
وتشمل المناقشات مؤلفات عدد من أعلام الطب المسلمين، من بينهم أبو بكر الرازي وإسحاق بن علي الرهاوي وأبو القاسم الزهراوي، إلى جانب دراسة تطور المؤسسات الاستشفائية التاريخية، وأدوار الحسبة والفقه النوازلي في تنظيم المهن الصحية وحماية المرضى.
كما تفتح الجلسات نقاشا حول المسؤولية الطبية والقانونية، وطبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض، والسبل الكفيلة بإدماج القيم الإنسانية في تكوين الأطباء ومهنيي الصحة، بما يضمن أن يظل البعد الأخلاقي مكونا أساسيا في الممارسة المهنية، إلى جانب الكفاءة العلمية والتقنية.
وفي سياق التحولات الراهنة، تحظى التطبيقات الطبية للذكاء الاصطناعي وأنظمة دعم القرار السريري وحماية المعطيات الصحية الشخصية باهتمام خاص، بالنظر إلى ما تثيره هذه التقنيات من تساؤلات بشأن تحديد المسؤولية عن الأخطاء، وضمان سرية المعلومات، وحدود الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات التي تمس صحة الإنسان وحياته.
وتبرز أهمية هذه المحاور في كون التطور التكنولوجي، على الرغم مما يوفره من إمكانات لتحسين التشخيص والعلاج، يفرض في المقابل تطوير الضوابط الأخلاقية والقانونية التي تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، وتحول دون اختزال المريض في بيانات رقمية أو التعامل مع القرار الطبي باعتباره نتيجة تقنية منفصلة عن التقدير الإنساني.
التراث الطبي المغربي في صلب النقاش الأكاديمي
وتتواصل أشغال المؤتمر خلال الأيام المقبلة بمحاور تتناول تاريخ الأخلاقيات الطبية بالمغرب، والمخطوطات الطبية والمؤسسات الاستشفائية، والممارسة الطبية خلال فترة الحماية، فضلا عن دور الترجمة في انتقال المعارف الطبية بين الحضارات.
كما يتضمن البرنامج أنشطة علمية وثقافية موازية، من بينها مسابقات للإبداع الطلابي ومعارض فنية وعروض مسرحية، في توجه يروم توسيع دائرة التفاعل مع التراث الطبي وإشراك الطلبة والأجيال الصاعدة في استيعاب أبعاده العلمية والإنسانية.
ومن المرتقب أن تختتم أشغال المؤتمر يوم الجمعة 30 أكتوبر الجاري، بعد سلسلة من الجلسات والمداخلات التي تسعى إلى تعميق البحث في تاريخ الطب وأخلاقياته، واستثمار الدروس التاريخية في مواجهة الإشكالات التي تطرحها التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة.
وبهذا الموعد العلمي، تؤكد جامعة سيدي محمد بن عبد الله أهمية الانفتاح على الشراكات الأكاديمية الدولية، فيما تستعيد فاس مكانتها باعتبارها مدينة للعلم والمعرفة والحوار الحضاري، قادرة على وصل رصيدها التاريخي بأسئلة الحاضر، والإسهام في نقاش دولي يجعل أخلاقيات الطب وكرامة الإنسان وحقوق المريض في قلب مستقبل المنظومات الصحية.

اتفاقية تعاون وهدية رمزية للأمير تركي الفيصل
وشكلت مراسم افتتاح المؤتمر مناسبة لتعزيز الشراكة الأكاديمية والثقافية بين المغرب والمملكة العربية السعودية، من خلال توقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين رئاسة جامعة سيدي محمد بن عبد الله ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الذي يرأس مجلس إدارته صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل.
وتروم هذه الخطوة فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات البحث العلمي وتوثيق التراث التاريخي والحضاري، وتبادل الخبرات الأكاديمية، وتشجيع المبادرات المشتركة التي تسهم في صيانة الذاكرة العلمية العربية والإسلامية وإبراز إسهاماتها في تاريخ المعرفة الإنسانية.
وعلى هامش هذه المناسبة العلمية، قدمت رئاسة الجامعة هدية رمزية للأمير تركي الفيصل، تعبيرا عن التقدير والاعتزاز بمشاركته في هذا الموعد الأكاديمي، وعن متانة علاقات التعاون التي تجمع المؤسستين. وحملت هذه الالتفاتة بعدا رمزيا يعكس تقاليد الضيافة والتكريم التي تميز الجامعة المغربية، كما جسدت حرص المؤسسة الجامعية على توطيد جسور التواصل العلمي والثقافي بين البلدين.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير البحث في تاريخ الطب العربي والإسلامي، وتعزيز حضور المخطوطات والمصادر التاريخية في الدراسات الجامعية، وربط هذا الرصيد الحضاري بالأسئلة العلمية والأخلاقية التي تفرضها التحولات المعاصرة.






