فاجعة عمارات “زواغة” تهز فاس من جديد.. تأجيل المحاكمة وغياب رئيس زواغة يعيدان ملف 22 ضحية إلى الواجهة

عاد ملف انهيار عمارتين بتجزئة «المستقبل» بحي المسيرة بفاس إلى الواجهة بقوة، بعد قرار غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بالجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس، الثلاثاء 8 شتنبر الجاري، تأجيل محاكمة المتابعين في هذه القضية الثقيلة إلى غاية 29 شتنبر، في تطور جديد يطيل المسار القضائي لواحدة من أكثر الفواجع العمرانية إيلاماً التي شهدتها العاصمة العلمية خلال السنوات الأخيرة. وقد خلف الانهيار، الذي وقع في دجنبر 2025، مصرع 22 شخصاً وإصابة 16 آخرين، فيما امتدت التحقيقات إلى منتخبين وموظفين وأعوان سلطة ومهندسين ومقاولين.
قرار التأجيل لم يكن مرتبطاً بتغيير في جوهر الملف أو تراجع في المتابعات، وإنما جاء لمنح المتابعين مهلة من أجل تنصيب هيئات الدفاع، بعدما تعذر حضور المحامين للجلسة للمرة الثانية في سياق توقف المحامين عن تقديم الخدمات القضائية احتجاجاً على قانون المهنة. وتضم القضية ثمانية متهمين يوجدون في حالة اعتقال و11 آخرين يتابعون في حالة سراح، من بينهم رئيس مقاطعة زواغة إسماعيل الجاي المنصوري ونائباه، بحسب المعطيات المنشورة عقب جلسة الثلاثاء.
واللافت في جلسة أمس أن اسم رئيس مقاطعة زواغة عاد إلى صدارة المشهد القضائي، خصوصاً أن إسماعيل الجاي المنصوري، المنتخب عن حزب الاستقلال، كان من بين المسؤولين الذين شملهم التحقيق منذ مراحله الأولى، إلى جانب نائبيه عبد الله الهادف عن حزب التجمع الوطني للأحرار والخمار ساموح عن حزب الأصالة والمعاصرة، فضلاً عن موظفين جماعيين وأعوان سلطة ومهندسين ومقاولين. وكان قاضي التحقيق قد قرر متابعة رئيس المقاطعة ونائبيه في حالة سراح، مقابل إيداع ثمانية أشخاص السجن المحلي بوركايز.
وتزداد حساسية وضعية رئيس المقاطعة بالنظر إلى موقعه السياسي والإداري؛ فقد انتُخب إسماعيل الجاي المنصوري رئيساً لمجلس مقاطعة زواغة في شتنبر 2021، بعدما حصل على دعم التحالف الذي قاده آنذاك، وهو معروف أيضاً بنشاطه في المجال الرياضي وتوليه مسؤوليات مرتبطة بعدد من الفرق الرياضية الفاسية، قبل وصوله إلى رئاسة المقاطعة.
لكن القضية الحالية لا تتعلق بخلاف سياسي عابر داخل مجلس المقاطعة، وإنما بملف قضائي يرتبط بفاجعة إنسانية خلّفت عشرات الضحايا. فقد أظهرت نتائج الأبحاث التقنية والقضائية، وفق ما أعلنته النيابة العامة سابقاً، وجود معطيات حول تشييد طوابق إضافية دون الحصول على التراخيص القانونية، واستعمال مواد بناء مستعملة، وتفويت ما يعرف بـ«حق الهواء» بطرق غير قانونية، إلى جانب تحرير عقود بيع وتسليم شواهد سكن في ظروف قالت النيابة العامة إنها مخالفة للقواعد القانونية. وعلى ضوء ذلك تمت متابعة 21 شخصاً للاشتباه في أفعال من بينها التسبب في القتل والجرح غير العمديين، والرشوة، والتصرف في مال غير قابل للتفويت، وتسليم شواهد إدارية لشخص يعلم أنه لا حق له فيها.
والمثير في هذا الملف أن التحقيق لم يتوقف عند المسؤوليات المرتبطة بعملية البناء وحدها، بل اتجه إلى تفكيك شبكة المسؤوليات الإدارية والتقنية المحيطة بالعقارات المنهارة، وهو ما يفسر اتساع دائرة المتابعين لتشمل منتخبين وأعوان سلطة وموظفين ومهندسين ومقاولين ووسطاء. وهذا المعطى يجعل المحاكمة المنتظرة في 29 شتنبر أكثر من مجرد محاكمة لأشخاص؛ فهي اختبار قضائي حقيقي لتحديد ما إذا كانت هناك مسؤوليات فردية وإدارية وتقنية متداخلة ساهمت، كل حسب درجة مشاركته، في الوصول إلى الكارثة.
الأكثر إثارة للانتباه أن الملف كان قد عرف منذ الأشهر الأولى للتحقيق تطورات متلاحقة، بعدما استمع قاضي التحقيق إلى عدد من المتابعين والشهود، قبل أن يقرر إيداع ثمانية أشخاص رهن الاعتقال الاحتياطي ومتابعة باقي الأشخاص في حالة سراح. وفي ماي الماضي، كان التحقيق قد شمل 22 متهماً وأكثر من 100 شاهد وفق معطيات منشورة آنذاك، قبل أن تستقر المتابعة القضائية المعلنة لاحقاً على 21 شخصاً.
وبذلك، فإن تأجيل جلسة الثلاثاء لا يعني إغلاق الملف أو التراجع عن المتابعات، بل يؤجل المواجهة القضائية إلى موعد جديد، في انتظار استكمال شروط المحاكمة وتمكين المتابعين من ممارسة حقهم في الدفاع. كما أن رفض ملتمسات السراح المؤقت المقدمة لفائدة المتهمين المعتقلين يبقي ثمانية أشخاص رهن الاعتقال الاحتياطي إلى حين البت في طلباتهم وفق ما تراه المحكمة مناسباً.
وفي خلفية كل هذه الإجراءات القضائية، تبقى الأسئلة الأكبر معلقة أمام الرأي العام الفاسي: كيف شُيدت طوابق إضافية، وكيف جرى تداول العقارات وإصدار الوثائق والشهادات المرتبطة بها، ومن كان يفترض أن يراقب احترام شروط السلامة والتعمير؟ والأهم، هل كانت الفاجعة نتيجة أخطاء فردية متفرقة، أم أن التحقيق سيكشف عن منظومة من الاختلالات والمسؤوليات المتشابكة؟
هذه الأسئلة تكتسب وزناً أكبر لأن الأمر يتعلق بانهيار مبنيين وليس بحادث عرضي محدود، وبضحايا دفعوا حياتهم ثمناً لاختلالات محتملة في منظومة البناء والتعمير والمراقبة. ومن هنا تأتي أهمية أن تكشف المحاكمة، بعيداً عن الحسابات السياسية والانتخابية، أين تبدأ مسؤولية كل طرف وأين تنتهي، ومن يتحمل قانوناً مسؤولية القرارات والأفعال التي سبقت انهيار العمارتين.
أما بالنسبة إلى رئيس مقاطعة زواغة إسماعيل الجاي المنصوري، فإن متابعته في حالة سراح لا تعني إدانته، كما أن إدراج اسمه ضمن المتابعين لا يحسم مسبقاً في مسؤوليته الجنائية؛ فالحسم يبقى للقضاء بعد مناقشة الأدلة والدفوعات والاستماع إلى جميع الأطراف. غير أن موقعه كرئيس للمقاطعة يجعل حضوره في هذا الملف محل اهتمام سياسي وشعبي واسع، ويضع تدبير الشأن العمراني والإداري بالمقاطعة تحت مجهر أكبر من المعتاد.
وتكشف المعطيات المنشورة أيضاً أن رئاسة الجاي المنصوري لمجلس مقاطعة زواغة لم تكن دائماً بمنأى عن الجدل السياسي المحلي؛ فقد شهد المجلس في فترات سابقة خلافات حول طريقة التدبير وتوفير النصاب وحضور بعض الأعضاء، كما وجه بعض المستشارين انتقادات لطريقة إدارة المجلس، في حين قدم الرئيس نفسه رواية مضادة، مؤكداً تمسكه بالقانون ورفضه لما اعتبره ضغوطاً من بعض المنتخبين. وهذه المعطيات السياسية السابقة لا تثبت بأي شكل وجود علاقة بينها وبين الملف الجنائي الحالي، لكنها تفسر جزءاً من حجم الاهتمام الذي يحظى به اسم رئيس المقاطعة في المشهد الفاسي.
وبينما تتجه الأنظار الآن إلى جلسة 29 شتنبر، تبدو فاجعة «المستقبل» أمام مرحلة حاسمة. فبعد أشهر من التحقيقات والخبرات والاستنطاقات، ينتظر الرأي العام أن تتحول المعطيات التي وردت في التحقيقات إلى وقائع تناقش علناً أمام القضاء، وأن يتم تحديد المسؤوليات بدقة، بعيداً عن التعميم أو تصفية الحسابات.
وفي النهاية، فإن أقوى رسالة يمكن أن تخرج من هذا الملف ليست فقط صدور أحكام في حق من تثبت مسؤوليته، وإنما أن تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة فاصلة في طريقة مراقبة البناء والتعمير بفاس، حتى لا تتحول المخالفات التي تبدأ بورقة أو رخصة أو طابق إضافي إلى مأساة تنتهي بعشرات النعوش. فـ22 وفاة ليست رقماً في ملف قضائي، وإنما أرواح وعائلات ومدينة ما زالت تنتظر جواباً واضحاً عن سؤال المسؤولية.






