بعد اختراق المعطيات.. هل فقد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ثقة المنخرطين؟ أسئلة الأمن السيبراني تتقاطع مع شكاوى التعويضات والخدمات

لم يكن الهجوم السيبراني الذي تعرض له الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال سنة 2025 مجرد حادث تقني عابر، بل شكل نقطة تحول في علاقة مؤسسة يفترض أنها تدبر المعطيات الشخصية والاجتماعية والصحية لملايين المغاربة مع الرأي العام.
فمنذ الإعلان عن تعرض أنظمة الصندوق لاختراق إلكتروني وتسريب جزء من المعطيات، ظل المنخرطون ينتظرون أجوبة دقيقة وواضحة حول حقيقة ما وقع، وحجم الأضرار، والإجراءات المتخذة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً. غير أن ما يثير التساؤلات، بالنسبة لعدد من المتابعين، هو محدودية التواصل الرسمي حول مآل التحقيقات والنتائج النهائية لهذا الملف الذي هز الرأي العام الوطني.
لكن الإشكال بالنسبة للعديد من المواطنين لا يتوقف عند ملف الأمن المعلوماتي فقط، بل يمتد إلى تراكم شكاوى مرتبطة بجودة الخدمات والتعويضات ومساطر معالجة الملفات الصحية والإدارية.
ملايين المنخرطين.. وانتظارات أكبر من مجرد التعويض
على الورق، يمثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أحد أهم ركائز الحماية الاجتماعية بالمغرب، خاصة بعد الورش الملكي الكبير المتعلق بتعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية.
غير أن عدداً من المنخرطين يشتكون من طول آجال معالجة الملفات، وصعوبة الحصول على المعلومات الدقيقة بشأن بعض الطلبات، إضافة إلى تأخر الردود أو غياب تفسيرات واضحة بشأن ملفات يتم رفضها أو إرجاعها لاستكمال وثائق إضافية.
ويؤكد العديد من المرتفقين أن الإشكال لا يكمن فقط في الرفض أو القبول، بل في غياب التواصل الكافي الذي يمكن المواطن من معرفة الأسباب الدقيقة والآجال الحقيقية لمعالجة ملفاته.
التعويضات الصحية.. الفاتورة ترتفع والمواطن يؤدي الفارق
واحدة من أكثر النقاط التي تثير النقاش داخل الأوساط الاجتماعية ترتبط بمستوى التعويضات عن العلاج والاستشفاء والأدوية.
ففي وقت ارتفعت فيه تكاليف العلاج بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، سواء بالنسبة للفحوصات الطبية أو التحاليل أو العمليات الجراحية أو الاستشفاء بالمصحات الخاصة، يرى عدد من المنخرطين أن مبالغ التعويض لا تواكب دائماً حجم النفقات المؤداة فعلياً.
ويؤكد مهتمون بالشأن الصحي أن العديد من التعريفة المرجعية المعتمدة في بعض الخدمات الطبية تحتاج إلى مراجعة دورية حتى تنسجم مع الأسعار الحقيقية المتداولة في السوق الصحية الوطنية.
وبالنسبة للمواطن البسيط، فإن الإشكال لا يرتبط بالأرقام التقنية بقدر ما يرتبط بالإحساس بأن الجزء الأكبر من الفاتورة الصحية ما يزال يؤدى من جيبه الخاص، رغم سنوات من الاقتطاعات والانخراطات المنتظمة.
ورش الحماية الاجتماعية أمام اختبار المصداقية
يأتي هذا النقاش في وقت يواصل فيه المغرب تنزيل أكبر إصلاح اجتماعي في تاريخه الحديث، والمتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.
لكن نجاح هذا الورش لا يقاس فقط بعدد المستفيدين الجدد أو حجم الميزانيات المرصودة، بل كذلك بجودة الخدمات المقدمة وسرعة الاستجابة ورضى المواطنين عن الأداء اليومي للمؤسسات المكلفة بالتدبير.
فالمواطن الذي ينتظر تعويضاً عن دواء أو عملية جراحية أو استشفاء لا ينظر إلى المؤشرات العامة بقدر ما يبحث عن خدمة فعالة وسريعة وواضحة المعالم.
أين نتائج التحقيق في الاختراق السيبراني؟
وبالعودة إلى ملف الاختراق المعلوماتي، ما تزال مجموعة من الأسئلة مطروحة داخل الرأي العام:
ما هي الخلاصات النهائية للتحقيقات التي تم الإعلان عنها؟ وهل تم تحديد مكامن الخلل التي سمحت بحدوث الاختراق؟ وما هي الإجراءات التقنية الجديدة التي تم اعتمادها لحماية قواعد البيانات الحساسة؟ وهل تم إشعار جميع المتضررين المحتملين بشكل مباشر؟
هذه الأسئلة لا ترتبط فقط بالجانب الأمني، بل أيضاً بمبدأ الشفافية الذي أصبح جزءاً أساسياً من الحكامة الحديثة للمؤسسات العمومية.
بين الثقة والانتظارات
اليوم، يقف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أمام تحدٍ مزدوج: استعادة ثقة المنخرطين في أمن معطياتهم الشخصية من جهة، وتحسين جودة الخدمات والتعويضات من جهة أخرى.
فالملايين الذين يقتطع من دخلهم شهرياً لفائدة منظومة الحماية الاجتماعية لا ينتظرون فقط خدمات رقمية حديثة أو تطبيقات إلكترونية متطورة، بل ينتظرون أجوبة واضحة، ومعالجة سريعة للملفات، وتعويضات أكثر إنصافاً، وتواصلاً مؤسساتياً يضع المواطن في صلب الاهتمام.
وفي زمن تتسارع فيه إصلاحات الدولة الاجتماعية، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق تدبير الملفات إلى منطق خدمة المواطن، لأن الثقة لا تُبنى بالبلاغات وحدها، بل تُبنى بالشفافية، وجودة الخدمة، والإحساس اليومي للمواطن بأن المؤسسة التي يساهم في تمويلها تقف فعلاً إلى جانبه عندما يحتاج إليها.






