غير مصنف

تازة بين شبح المختلين عقلياً وأزمة الصحة العمومية.. هل تنجح المجموعة الصحية الترابية فاس مكناس في إنقاذ إقليم أنهكته سنوات التهميش الصحي؟

عادت مدينة تازة إلى واجهة النقاش العمومي بعد تصاعد شكاوى المواطنين والفعاليات المدنية بشأن تزايد أعداد المختلين عقلياً والمشردين الذين يجوبون شوارع المدينة وأحياءها، في مشهد يثير مخاوف الساكنة ويطرح أسئلة محرجة حول واقع الصحة النفسية والعقلية بالإقليم، وحول مدى جاهزية المنظومة الصحية المحلية للاستجابة لحاجيات المواطنين.

وفي هذا السياق، وجه عدد من النشطاء والفاعلين المحليين عريضة إلى وزارتي الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية، مطالبين بتدخل عاجل لوضع حد للوضعية المتفاقمة التي أصبحت تشكل مصدر قلق يومي للساكنة، خاصة بعد تسجيل حوادث متفرقة مرتبطة بأشخاص يعانون اضطرابات عقلية ونفسية، من بينها اعتداءات وإتلاف ممتلكات وأعمال أثارت حالة من الخوف والاستياء داخل عدد من الأحياء.

مستشفى ابن باجة.. مؤسسة صحية تحت الضغط

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش القديم حول وضعية مستشفى ابن باجة الإقليمي، الذي يعد المؤسسة الاستشفائية المرجعية بالإقليم، والذي ظل لسنوات موضوع انتقادات متواصلة من قبل المرتفقين والهيئات المدنية بسبب ما يعتبرونه خصاصاً في الموارد البشرية والتجهيزات والخدمات المتخصصة.

وتبرز الإشكالات بشكل أكبر في ما يتعلق بخدمات الطب النفسي والصحة العقلية، حيث تؤكد فعاليات محلية أن العرض الصحي الموجه لهذه الفئة لا يواكب حجم الطلب المتزايد، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الإقليم وارتفاع عدد السكان وتزايد الحالات الاجتماعية والنفسية المعقدة.

ويؤكد مهتمون بالشأن الصحي أن معالجة ظاهرة التشرد والاضطرابات العقلية لا يمكن أن تتم عبر المقاربة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة صحية متكاملة تشمل التشخيص والعلاج والإيواء والمواكبة الاجتماعية وإعادة الإدماج.

تازة.. ضحية الخريطة الصحية القديمة؟

ما يثير قلق الساكنة اليوم ليس فقط انتشار المختلين عقلياً في الفضاء العام، بل الشعور المتزايد بأن إقليم تازة لم يستفد بالشكل الكافي من العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية مقارنة ببعض الأقاليم الكبرى.

فبينما شهدت مدن عديدة تعزيزاً للبنيات الاستشفائية والتخصصات الطبية الدقيقة، ما تزال ساكنة تازة تضطر في حالات كثيرة إلى التنقل نحو فاس أو مدن أخرى من أجل الاستفادة من خدمات صحية متخصصة، وهو ما يثقل كاهل الأسر ويعمق الإحساس بالفوارق المجالية داخل المنظومة الصحية الوطنية.

ويرى متابعون أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بنقص طبيب أو مصلحة معينة، بل بمنظومة صحية تحتاج إلى مراجعة شاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الأقاليم الداخلية والجبلية التي عانت لسنوات من ضعف الاستثمار الصحي ومن محدودية الموارد البشرية المتخصصة.

المجموعة الصحية الترابية فاس مكناس أمام أول اختبار حقيقي

ومع دخول ورش المجموعات الصحية الترابية حيز التنزيل التدريجي، تتجه الأنظار إلى المسؤولين الجدد عن تدبير القطاع الصحي على المستوى الجهوي، في انتظار معرفة ما إذا كانت هذه التجربة ستنجح في إحداث القطيعة مع الاختلالات المتراكمة أم ستظل مجرد تغيير إداري دون أثر ملموس على حياة المواطنين.

فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بإعادة توزيع الاختصاصات أو تدبير الموارد، بل ببناء خريطة صحية جديدة قائمة على الإنصاف المجالي والنجاعة والحق الدستوري في الولوج إلى العلاج.

وتطرح ساكنة تازة سؤالاً مشروعاً: هل سيتمكن مدير المجموعة الصحية الترابية من فرض رؤية جديدة تجعل جميع أقاليم الجهة تستفيد من الخدمات الصحية بشكل متوازن؟ أم أن بعض المناطق ستظل خارج دائرة الأولويات، لتستمر الفوارق الصحية التي اشتكى منها المواطنون لسنوات طويلة؟

الصحة النفسية.. الحلقة الأضعف في المنظومة

وتكشف الأزمة الحالية أن الصحة النفسية ما تزال من أكثر القطاعات هشاشة داخل المنظومة الصحية المغربية، رغم تزايد الحاجة إليها في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع.

فالتعامل مع الأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية ونفسية يتطلب مراكز متخصصة وأطراً طبية مؤهلة وبرامج للرعاية والإدماج، وليس فقط تدبير الحالات بشكل ظرفي أو موسمي.

ومن هنا، تبدو مطالب الفعاليات المدنية بتعزيز خدمات الطب النفسي وتوفير الأطر الطبية المختصة داخل مستشفى ابن باجة مطالب مشروعة تندرج ضمن الحق في العلاج والرعاية الصحية اللائقة.

بين الإصلاح والانتظار

اليوم، تجد وزارة الصحة والمجموعة الصحية الترابية نفسها أمام فرصة حقيقية لإثبات أن ورش إصلاح المنظومة الصحية لا يقتصر على المدن الكبرى، بل يشمل أيضاً الأقاليم التي ظلت لسنوات ترفع مطالبها في صمت.

وتبقى تازة واحدة من المناطق التي تنتظر ترجمة فعلية لشعارات العدالة المجالية والإنصاف الصحي، من خلال تعزيز البنيات الاستشفائية وتوفير التخصصات الطبية الحيوية وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج.

فالمواطن لا يبحث عن الوعود أو التقارير، بل عن مستشفى قادر على الاستجابة لحاجياته الأساسية، وعن منظومة صحية تضمن له العلاج بالقرب من مقر سكنه، وتحفظ كرامته وحقه في الرعاية. أما نجاح المجموعة الصحية الترابية، فلن يقاس بعدد المذكرات والاجتماعات، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي يشعر به المواطن في تازة كما يشعر به المواطن في كبريات المدن المغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى