صيف النار يطرق أبواب فاس ـ مكناس.. حرائق متفرقة تستنفر السلطات ومخاوف متزايدة على الغابات

تعيش جهة فاس مكناس على وقع حالة استنفار متواصلة بعد تسجيل سلسلة من الحرائق المتفرقة التي طالت مناطق فلاحية وأراضي عارية ووسائل نقل، في مشهد بات يثير قلق الساكنة والفاعلين المحليين مع الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة وتزايد مخاطر اندلاع النيران خلال فصل الصيف.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة مناطق بالجهة اندلاع حرائق متفاوتة الخطورة، من بينها محيط طريق سيدي حرازم بدوار الكعدة، إضافة إلى مناطق أخرى أتت فيها النيران على مساحات مغطاة بالأعشاب اليابسة، وسط تدخلات متواصلة لعناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية من أجل محاصرة ألسنة اللهب ومنع امتدادها نحو المناطق السكنية والضيعات الفلاحية.
كما استنفرت حادثة خطيرة شهدها الطريق السيار، أمس، مختلف المصالح المختصة، بعدما اندلع حريق مهول بحافلة لنقل المسافرين، في واقعة خلفت خسائر مادية جسيمة بعدما التهمت النيران الحافلة بالكامل وحولتها إلى هيكل حديدي متفحم، دون تسجيل خسائر بشرية، في حادث أعاد إلى الواجهة النقاش حول مخاطر ارتفاع درجات الحرارة وتأثيرها على وسائل النقل والتجهيزات الميكانيكية خلال فصل الصيف.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن سرعة تدخل المسافرين وسائق الحافلة ساهمت في تفادي كارثة حقيقية، بعدما تم إخلاء الحافلة في الوقت المناسب، فيما فتحت الجهات المختصة تحقيقاً لتحديد ظروف وملابسات اندلاع الحريق.
ولم تتوقف الحرائق عند هذا الحد، إذ شهدت جماعة عين البيضاء بأحواز مدينة فاس خلال اليومين الماضيين اندلاع حرائق متفرقة، بعدما تسببت صواعق رعدية ناجمة عن التقلبات الجوية في إشعال النيران وسط الأعشاب اليابسة والمجالات العارية، في مشهد يؤكد أن التغيرات المناخية أصبحت عاملاً مباشراً في ارتفاع مخاطر الحرائق بالمناطق القروية وشبه الحضرية.
ومع تكرار هذه الحوادث، باتت الحيطة والحذر عنوان المرحلة داخل عدد من مناطق الجهة، خاصة في ظل موجة الحرارة التي تعرفها المنطقة، والتي تساهم في تحويل الأعشاب الجافة إلى مادة سريعة الاشتعال، ما يجعل أي شرارة بسيطة أو تماس كهربائي أو حتى صاعقة رعدية سبباً في اندلاع حرائق قد تتحول في دقائق إلى تهديد حقيقي للساكنة والغطاء الغابوي.
وفي خضم هذه التطورات، تتزايد الدعوات الموجهة إلى سلطات ولاية جهة فاس مكناس وعمالة إقليم مولاي يعقوب من أجل تكثيف الإجراءات الوقائية، مع التركيز بشكل خاص على غابة عين الشقف، التي توصف بأنها “الرئة الطبيعية” لمدينة فاس والمجال الغابوي الأكثر حساسية بالمنطقة.
ويرى فاعلون بيئيون أن التساقطات المطرية التي عرفتها المنطقة خلال الأشهر الماضية ساهمت في نمو كثيف للأعشاب والنباتات العشوائية داخل الغابة ومحيطها، وهو ما يشكل اليوم خطراً حقيقياً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
ويطالب هؤلاء بضرورة إطلاق حملة عاجلة لتنقية الغابة واجتثاث الأعشاب اليابسة وتهيئة المسالك الغابوية، إلى جانب تعزيز المراقبة وتوفير نقط قريبة للتدخل السريع تحسباً لأي طارئ قد يهدد هذا الفضاء البيئي الحيوي.
ويحذر متابعون من أن أي حريق محتمل بغابة عين الشقف قد تكون له انعكاسات بيئية خطيرة على مدينة فاس وضواحيها، بالنظر إلى الدور الإيكولوجي الذي تلعبه الغابة في التوازن البيئي وتنقية الهواء والحد من التلوث، فضلاً عن كونها متنفساً طبيعياً لآلاف الأسر.
وفي السياق ذاته، دعا مهتمون بالشأن البيئي إلى اعتماد مقاربة استباقية أكثر صرامة لمواجهة حرائق الصيف، تقوم على التنسيق بين السلطات المحلية ومصالح المياه والغابات والوقاية المدنية والجماعات الترابية، مع إطلاق حملات تحسيسية واسعة لفائدة المواطنين والفلاحين حول مخاطر إشعال النار أو رمي المواد القابلة للاشتعال بالقرب من الحقول والغابات.
كما تتعالى المطالب بضرورة تقريب نقط الإطفاء والتزود بالماء بالمناطق القروية والجبلية، خاصة أن عامل الوقت يبقى حاسماً في السيطرة على الحرائق ومنع توسعها، في وقت تعاني فيه بعض المناطق من صعوبة الولوج أو بعد مراكز التدخل.
ويرى متابعون أن جهة فاس مكناس أصبحت مطالبة، كغيرها من جهات المملكة، بوضع خطة صيفية دائمة لمواجهة الحرائق، لا تقتصر فقط على التدخل بعد اندلاع النيران، بل ترتكز أساساً على الوقاية المسبقة وتنقية المجالات الحساسة ومراقبة النقاط السوداء المعرضة للخطر.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد المؤشرات المناخية المقلقة، يبدو أن صيف هذه السنة يفرض تحديات كبيرة على مختلف المتدخلين، في معركة مفتوحة ضد حرائق باتت تهدد الغطاء النباتي والمجالات الغابوية وسلامة المواطنين، وتطرح بإلحاح ضرورة الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى استراتيجية استباقية شاملة لحماية الإنسان والمجال البيئي بجهة فاس ـ مكناس.






