سياسة

الاتحاد العام للشغالين يصدر أزمته صوب الحكومة… وحزب الاستقلال بين غنيمة الحقائب ومساءلة الحصيلة قبل استحقاقات 2026

في مشهد نقابي وسياسي متوتر يعكس احتقاناً متصاعداً داخل الأغلبية الحكومية، خرج الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابي لحزب حزب الاستقلال، لتصدير أزمته الداخلية بخطاب هجومي قوي خلال احتفالات فاتح ماي، موجهاً انتقادات حادة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، في لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع تسيير الشأن العام.

لكن خلف هذا الخطاب النقابي، يطفو سؤال سياسي أكبر: كيف يمكن لحزب مشارك في الحكومة أن يهاجمها من داخلها، ويجمع بين موقع المسؤولية التنفيذية وخطاب المعارضة الاجتماعية؟

حزب في موقعين متناقضين… الحكومة والمعارضة في آن واحد

يُلاحظ، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، أن حزب الاستقلال يتحرك بخطاب مزدوج: جزء منه داخل الحكومة حيث يتولى حقائب وزارية وازنة، وجزء آخر داخل النقابة حيث تُرفع شعارات النقد والتنديد.

هذا التموقع المزدوج يطرح إشكالاً سياسياً واضحاً: هل يتعلق الأمر بتوزيع أدوار تكتيكي؟ أم بأن الحزب يعيش فعلياً حالة تذبذب بين الدفاع عن حصيلة حكومية والمزايدة عليها في الشارع؟

وزارة التجهيز… طرق مهترئة وصورة مثقلة بالانتقادات

من بين أكثر القطاعات التي وُضعت تحت مجهر الانتقاد، وزارة التجهيز والماء، التي يشرف عليها الأمين العام للحزب نزار بركة.

ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الوزارة رافعة أساسية للبنية التحتية، تتوالى الانتقادات بشأن تدهور وضع الطرق في عدد من جهات المملكة، حيث تتحدث معطيات ميدانية عن مقاطع طرقية خطيرة، تعاني من حفر عميقة، وطبقات إسفلت مهترئة، تمتد أحياناً على مسافات طويلة دون تدخل فعلي.

كما يواجه أداء الوزارة انتقادات مرتبطة بضعف الجاهزية في التعامل مع الفيضانات، حيث تُسجل سنوياً خسائر في البنيات التحتية، ما يطرح تساؤلات حول نجاعة برامج الصيانة والاستباق.

هذه الصورة تجعل من الوزارة محور مساءلة سياسية قبل أن تكون مجرد قطاع تقني، خصوصاً في ظل تولي قيادة الحزب مسؤوليتها السياسية المباشرة.

النقل في دائرة الشلل… خدمات تحت الضغط

إلى جانب ذلك، تعيش وزارة النقل وضعاً يوصف من طرف متتبعين بـ”الارتباك الهيكلي”، في ظل تزايد شكايات المواطنين المرتبطة بجودة الخدمات، والتنظيم، وسلامة التنقل.

ورغم الإصلاحات المعلنة، ما تزال قطاعات حيوية داخل النقل تواجه تحديات مرتبطة بالنجاعة والتحديث، في وقت يطالب فيه الرأي العام برؤية أوضح لنتائج السياسات العمومية في هذا المجال.

التجارة والصناعة… جدل حول البوصلة الاقتصادية

أما على مستوى وزارة الصناعة والتجارة، فتتجه الانتقادات نحو ما يعتبره البعض “تحولاً غير متوازن” في دعم النسيج الاقتصادي الوطني.

ففي ظل تزايد الاعتماد على الاستيراد، خصوصاً من الأسواق الآسيوية، يطرح سؤال جوهري حول مدى قدرة السياسات الحالية على حماية الصناعة المحلية ودعم الإنتاج الوطني، في مواجهة منافسة خارجية قوية.

هذا النقاش يفتح باباً أوسع حول مستقبل التجارة المغربية، وقدرة السياسات العمومية على خلق توازن بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على السيادة الإنتاجية.

نقابة تهاجم… وحزب في قلب المسؤولية

خطاب الاتحاد العام للشغالين بالمغرب خلال فاتح ماي، والذي ركز على ارتفاع الأسعار، المضاربة، وأزمة القدرة الشرائية، جاء ليعكس غضباً اجتماعياً متزايداً، لكنه في الوقت ذاته يضع حزب الاستقلال في موقف حرج، باعتباره جزءاً من الحكومة التي يُحمّلها هذا الخطاب المسؤولية.

فكيف يمكن لنقابة حزبية أن تهاجم حكومة يشارك فيها حزبها؟ وأين ينتهي الخطاب النقابي ويبدأ الحساب السياسي؟

هذا التداخل بين الأدوار يعكس إشكالاً بنيوياً في العلاقة بين التنظيمات الحزبية وامتداداتها النقابية، حيث يتحول النقد أحياناً إلى أداة لإعادة التموضع السياسي أكثر منه ممارسة رقابية مستقلة.

بين غنيمة الحقائب ومطلب الحصيلة

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يتزايد الضغط على الأحزاب المكونة للأغلبية لتقديم حصيلتها أمام الرأي العام. وفي هذا السياق، يُطلب من حزب الاستقلال أن يوضح ما أنجزه خلال مشاركته الحكومية، بعيداً عن الخطابات الموسمية.

فالرأي العام لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يطالب بأرقام، نتائج، ومؤشرات ملموسة على الأرض: طرق صالحة، خدمات نقل فعالة، وصناعة وطنية قادرة على الصمود.

 اختبار الثقة قبل صناديق الاقتراع

ما يجري اليوم ليس مجرد جدل نقابي أو سياسي عابر، بل هو جزء من اختبار أعمق لمدى قدرة الأحزاب المشاركة في الحكومة على الدفاع عن حصيلتها أمام المواطنين.

وبين موقع المسؤولية داخل الحكومة، وخطاب النقد في الشارع، يجد حزب الاستقلال نفسه أمام معادلة صعبة: إما تقديم حصيلة مقنعة، أو مواجهة مساءلة انتخابية قاسية في الاستحقاقات المقبلة.

وفي النهاية، يبقى الحكم للناخب، الذي لن يكتفي هذه المرة بالخطاب، بل سينتظر ما تحقق فعلاً على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى