شغب الملاعب يعصف بنهاية البطولة الاحترافية… قرارات صارمة تعيد ترتيب المشهد الكروي بالمغرب

لم تعد مباريات البطولة الاحترافية مجرد منافسة رياضية خالصة، بل تحولت في أسابيعها الأخيرة إلى اختبار أمني حقيقي، بعد موجة من أعمال الشغب التي بلغت ذروتها في مركب المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، لتلقي بظلالها الثقيلة على ما تبقى من الموسم الكروي، وتدفع السلطات إلى اتخاذ قرارات استثنائية غير مسبوقة.
الأحداث التي أعقبت المواجهة بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي، لم تتوقف عند حدود المدرجات، بل امتدت إلى محيط الملعب، مخلفة أضرارًا مادية طالت تجهيزات رياضية وممتلكات عامة وخاصة، في مشهد أعاد إلى الواجهة إشكالية شغب الملاعب وتأثيرها المباشر على صورة كرة القدم الوطنية.
قرارات أمنية مشددة… ومنع تنقل الجماهير
في سياق التفاعل السريع مع هذه التطورات، اختارت السلطات نهج مقاربة وقائية صارمة، تمثلت في منع تنقل جماهير عدة أندية إلى غاية نهاية الموسم. وشمل القرار أنصار الجيش الملكي والرجاء الرياضي، إضافة إلى حرمان الجماهير الفاسية من التنقل إلى مكناس لمساندة المغرب الفاسي في ديربي حارق أمام النادي المكناسي، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من انفلات الأوضاع في المباريات المتبقية.
هذه الإجراءات، وإن بدت قاسية في حق الجماهير، إلا أنها تعكس توجهاً واضحاً نحو إعطاء الأولوية للأمن العام، خاصة في ظل تزايد مؤشرات العنف المرتبط بالمباريات، وما يرافقه من مخاطر تهدد سلامة المواطنين وتسيء لسمعة الملاعب المغربية.
متابعات قضائية بالجملة… ورسائل حازمة
على المستوى القضائي، لم تتأخر السلطات في تفعيل المتابعات، حيث قرر وكيل الملك لدى المحكمة الزجرية بالدار البيضاء إيداع 22 شخصًا السجن على خلفية أعمال الشغب التي رافقت مباراة الوداد الرياضي واتحاد يعقوب المنصور، مع التماس إيداع 20 قاصرًا بمراكز التهذيب.
وفي الرباط، أمرت النيابة العامة بوضع 136 شخصًا تحت تدابير الحراسة النظرية، مع الاحتفاظ بحدثين، في إطار التحقيقات الجارية حول أحداث العنف التي أعقبت مباراة الجيش والرجاء.
هذه الأرقام تعكس حجم الظاهرة وخطورتها، كما تؤكد في الآن ذاته عزم السلطات على التعامل بحزم مع كل أشكال الشغب، عبر تفعيل المساطر القانونية ومتابعة المتورطين، بغض النظر عن انتماءاتهم.
صورة الملاعب المغربية على المحك
تأتي هذه التطورات في سياق حساس، حيث يسعى المغرب إلى ترسيخ صورته كوجهة رياضية قارية ودولية، خاصة مع احتضانه لتظاهرات كبرى ورهانه على تطوير بنيته التحتية الرياضية. غير أن تكرار مشاهد الشغب يهدد هذه المكتسبات، ويطرح تساؤلات عميقة حول دور الفاعلين الرياضيين والتربويين في تأطير الجماهير.
ويرى متتبعون أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، لا يمكن أن تكون الحل الوحيد، بل يجب أن تواكبها استراتيجيات طويلة الأمد تشمل التوعية، وإعادة تأهيل الفضاءات الرياضية، وتعزيز دور الأندية في تأطير مشجعيها، إلى جانب تفعيل آليات الزجر في حق المحرضين على العنف.
نهاية موسم على إيقاع التوتر
في ظل هذه المعطيات، تبدو نهاية البطولة الاحترافية هذا الموسم مختلفة، حيث تُلعب المباريات تحت ضغط أمني مشدد وغياب جماهيري مؤثر، ما يفقدها جزءًا من روحها التنافسية. وبين هاجس الأمن وضرورة الحفاظ على جمالية اللعبة، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة الثقة في الملاعب، وضمان عودة الجماهير في ظروف آمنة ومسؤولة.
الرسالة التي تبعثها الدولة اليوم واضحة: لا تساهل مع الشغب، ولا مكان للعنف في مدرجات كرة القدم. لكن الرهان الحقيقي يظل في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء ثقافة تشجيع حضارية، تعيد للكرة المغربية بريقها داخل وخارج الملاعب.






