اقتصاد

إطلاق مسطرة رقمية جديدة لتبسيط نقل الملكية العقارية… نحو إنهاء تعقيدات الأداء الجبائي في ظرف 48 ساعة

في خطوة إصلاحية نوعية تعكس تسارع وتيرة التحول الرقمي للإدارة العمومية بالمغرب، أعلنت وزارتا الداخلية والاقتصاد والمالية عن إطلاق خدمة رقمية متكاملة تروم تبسيط وتسريع مسطرة الحصول على شهادة أداء الضرائب والرسوم المرتبطة بالعقارات، وذلك عند بيعها أو نقل ملكيتها، في أفق تجاوز الإكراهات التي ظلت تثقل كاهل المواطنين والمهنيين بفعل تعقيد الإجراءات وطول الآجال.

وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية شاملة لتحديث الإدارة وتعزيز نجاعتها، حيث تم الانتقال من نظام تقليدي قائم على الوثائق الورقية وتعدد المتدخلين إلى منظومة رقمية مندمجة تتيح معالجة الطلبات بشكل آني ومتزامن بين مختلف الإدارات المعنية، بما يسمح بإتمام المسطرة في أجل أقصاه 48 ساعة، وهو تحول نوعي من شأنه إحداث قطيعة مع سنوات من البطء الإداري الذي كان يؤخر إبرام المعاملات العقارية لمدد طويلة.

وترتكز هذه الخدمة على تفعيل مقتضيات المادة 95 من القانون رقم 15-97 المتعلق بمدونة تحصيل الديون العمومية، والتي تُحمّل الموثقين والعدول وسائر مهنيي التوثيق مسؤولية مشتركة مع البائع في التأكد من تسوية كافة الالتزامات الجبائية المرتبطة بالعقار موضوع التفويت، سواء تعلق الأمر بالسنة الجارية أو السنوات السابقة، قبل إتمام عملية البيع.

ويأتي هذا التطور استكمالاً لمسار رقمنة التبادلات الإدارية الذي انطلق منذ سنة 2020، حيث شكلت المذكرة المشتركة السابقة أرضية أولية لهذا الورش، قبل أن يتم توسيع نطاقه في النسخة الحالية من خلال إدماج فاعلين جدد، خاصة بعد صدور القانون رقم 14-25 المعدل للقانون المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، والذي منح القابضين الجماعيين صفة “محاسب عمومي”، مما أتاح لهم الانخراط الكامل في هذه المنظومة الرقمية.

وفي هذا الإطار، قامت الخزينة العامة للمملكة بتطوير بوابتها الإلكترونية لتتلاءم مع متطلبات المسطرة الجديدة، حيث أصبح بإمكان مختلف المتدخلين الولوج إلى الخدمة عبر المنصة الرقمية، وتبادل المعطيات بشكل مؤمن وسريع، بما يعزز الشفافية ويقلص هامش التدخل البشري الذي كان يشكل في السابق أحد مصادر التعقيد.

وتنطلق هذه المسطرة الرقمية بالحصول على “ورقة معلومات” من المديرية العامة للضرائب عبر منصة إلكترونية مخصصة، حيث يتم إدخال المعطيات المرتبطة بالعقار، لتتم معالجة الطلب بشكل فوري في حالة خلوه من الديون، بينما يتم إشعار المعني بالأمر في حال وجود متأخرات، مع تمكينه من تسويتها مباشرة عبر المنصة نفسها، ليُستكمل المسار في غضون أجل لا يتجاوز 48 ساعة.

ورغم الطابع الشامل لهذا التحول الرقمي، فقد تم الإبقاء على استثناء محدود يهم الأراضي الحضرية غير المبنية، التي لا تزال تخضع لإجراء مادي يتطلب إيداع طلب لدى المصالح المختصة، وهو ما يعكس الطابع المرحلي لهذا الإصلاح في انتظار تعميم الرقمنة بشكل كامل على جميع أنواع العقارات.

وبعد استصدار “ورقة المعلومات”، ينتقل الملف إلى مرحلة المعالجة النهائية، حيث يقوم الموثق أو العدل بإيداع طلب الحصول على شهادة الأداء عبر منصات رقمية متخصصة، مرفقاً بالوثائق اللازمة، ليتم بعد ذلك توجيه الطلب بشكل تلقائي إلى مختلف الإدارات المعنية، بما في ذلك مصالح الضرائب والخزينة والجماعات الترابية، التي تلتزم جميعها بالرد داخل أجل محدد لا يتجاوز 48 ساعة.

وتُختتم المسطرة بإصدار شهادة أداء الضرائب والرسوم في حال التأكد من خلو العقار من أي ديون، حيث يتم تسليمها بشكل إلكتروني وموقع رقمياً، مما يمنحها الحجية القانونية الكاملة، أما في حالة وجود مستحقات، فيتم إشعار المهني المكلف بالملف بقيمتها ونوعها، ليتم تبليغ البائع بضرورة تسويتها قبل إتمام عملية البيع.

وقد حرصت المذكرة المؤطرة لهذا الإصلاح على توضيح نقطة أساسية كانت محل جدل في السابق، حيث أكدت بشكل صريح أن الحصول على هذه الشهادة يقتصر فقط على أداء الضرائب المرتبطة بالعقار موضوع التفويت، دون إلزام المعني بالأمر بتسوية ديونه الجبائية الأخرى غير المرتبطة به، وهو ما من شأنه تسهيل المعاملات وتفادي تعطيلها لأسباب لا علاقة لها بموضوع البيع.

وفي ختام هذه الخطوة الإصلاحية، تم توجيه تعليمات واضحة إلى مختلف المسؤولين الترابيين والماليين لضمان الانخراط الكامل في هذا الورش، وتوفير الشروط التقنية والبشرية الكفيلة بإنجاحه، بما يعكس إرادة الدولة في الارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن.

إن إطلاق هذه المسطرة الرقمية لا يمثل مجرد تحديث تقني، بل يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة الإدارة العمومية، قوامه الانتقال من منطق التعقيد إلى منطق الخدمة، ومن بطء الإجراءات إلى سرعة الإنجاز، في أفق بناء إدارة حديثة تستجيب لتطلعات المواطنين وتواكب متطلبات التنمية الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى