تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2026: المغرب بين ريادة التشريع وتعثر التنفيذ في معركة مكافحة الفساد

في قراءة تحليلية جديدة لواقع الحكامة، كشف تقرير “مكافحة الفساد والنزاهة 2026” الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن مفارقة لافتة في التجربة المغربية، تتمثل في التقدم الملحوظ على مستوى الترسانة القانونية مقابل تعثر واضح في تنزيل هذه القوانين على أرض الواقع. هذا التناقض، الذي وصفه التقرير بـ“الفجوة الهيكلية”، يضع المغرب أمام تحديات حقيقية تتعلق بفعالية السياسات العمومية وقدرتها على تحقيق أثر ملموس في محاربة الفساد وتعزيز الشفافية.
تقدم تشريعي… دون أثر كافٍ
أبرز التقرير أن المغرب يُصنّف ضمن الدول التي قطعت أشواطاً مهمة في سن القوانين المرتبطة بالنزاهة، حيث حصل على تقييم مرتفع بلغ 78% في ما يخص الإطار التشريعي المتعلق بتضارب المصالح، وهو مستوى يقارب ما تحققه دول أوروبية متقدمة. غير أن هذا التقدم لم ينعكس بنفس القوة على مستوى التطبيق، إذ لم يتجاوز معدل التفعيل الفعلي 33%، ما يكشف عن فجوة مقلقة بين النص القانوني والممارسة اليومية.
الأمر نفسه ينطبق على مجال الشفافية، حيث نال المغرب تقييماً جيداً في صياغة القوانين بنسبة 78%، لكنه لم يتجاوز 54% في التنفيذ، وهو ما يعكس محدودية الأثر الفعلي لهذه التشريعات في تحسين مناخ الحكامة.
تضارب المصالح… الحلقة الأضعف
واحدة من أبرز النقاط التي توقف عندها التقرير تتعلق بضعف تنظيم تضارب المصالح، خاصة في ما يرتبط بالعلاقة بين الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار. فرغم وجود نصوص قانونية تؤطر هذا المجال، إلا أن غياب آليات فعالة للمراقبة والتتبع يجعل من هذه القوانين غير قادرة على ردع الممارسات غير المشروعة.
كما سجل التقرير غياب إطار قانوني واضح ينظم عمل جماعات الضغط أو ما يعرف بـ“اللوبينغ”، وهو ما يفتح المجال أمام تأثيرات غير معلنة على القرار العمومي، دون خضوعها للمساءلة أو الشفافية. هذا المعطى يضعف ثقة الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين في نزاهة المؤسسات، ويؤثر سلباً على مناخ الاستثمار.
“الباب الدوار”… ثغرة قانونية مقلقة
من بين الاختلالات البنيوية التي أشار إليها التقرير، غياب قوانين تفرض فترة زمنية فاصلة (Cooling-off period) تمنع المسؤولين العموميين من الانتقال مباشرة إلى القطاع الخاص في نفس المجالات التي كانوا يشرفون عليها. هذه الظاهرة، المعروفة بـ“الباب الدوار”، تشكل خطراً حقيقياً يتمثل في احتمال استغلال النفوذ أو تسريب معلومات استراتيجية لفائدة شركات خاصة، ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويضعف المنافسة.
ضعف الشفافية الرقمية
في جانب آخر، انتقد التقرير محدودية انفتاح البيانات الحكومية، مشيراً إلى عدم التزام الجهات الرسمية بنشر المعطيات بشكل منتظم ومفتوح على الإنترنت. كما أبرز غياب منصات رقمية متطورة للتصريح بالممتلكات والمصالح، وهو ما يصعّب عملية تتبع تطور الثروات لدى المسؤولين العموميين، ويحد من فعالية آليات الرقابة.
وفي سياق عالمي يتجه نحو الرقمنة وتعزيز الشفافية عبر التكنولوجيا، يُعد هذا النقص عائقاً أمام تحديث الإدارة العمومية وتحسين جودة الخدمات.
استراتيجيات بلا تقييم فعلي
رغم اعتماد المغرب لاستراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد، إلا أن التقرير سجل ضعفاً في آليات التتبع والتقييم، حيث تظل هذه السياسات غير قادرة على قياس أثرها الحقيقي على أرض الواقع. هذا القصور يطرح إشكالية الحكامة في حد ذاتها، إذ لا يكفي وضع الاستراتيجيات، بل يتطلب الأمر أدوات دقيقة لقياس النتائج وتصحيح الاختلالات.
سياق وطني وإصلاحات قائمة
تأتي هذه الملاحظات في وقت تبذل فيه الدولة جهوداً لتعزيز منظومة النزاهة، من خلال مؤسسات مثل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي تضطلع بدور محوري في تتبع قضايا الفساد واقتراح الإصلاحات. كما تم إطلاق برامج لتحديث الإدارة وتبسيط المساطر، في إطار تحسين العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي.
غير أن التقرير يشير إلى أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تحتاج إلى تسريع وتيرة التنفيذ وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، لضمان تحقيق نتائج ملموسة.
بين الاعتراف الدولي والتحدي الداخلي
يضع تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المغرب في موقع مزدوج: من جهة، اعتراف دولي بتقدم الإطار القانوني، ومن جهة أخرى، دعوة صريحة إلى تجاوز منطق “التشريع الشكلي” نحو “التنفيذ الفعلي”. هذا التحدي لا يهم فقط المؤسسات، بل يشمل أيضاً تعزيز ثقافة النزاهة داخل المجتمع، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم.
آفاق الإصلاح
يشير خبراء الحكامة إلى أن تقليص الفجوة بين القانون والتطبيق يتطلب حزمة من الإجراءات، من بينها:
- تفعيل آليات المراقبة والمساءلة بشكل أكثر صرامة
- سن قوانين واضحة لتنظيم جماعات الضغط
- فرض فترات انتقالية للمسؤولين قبل الالتحاق بالقطاع الخاص
- تعزيز الرقمنة ونشر البيانات المفتوحة
- تطوير أدوات تقييم السياسات العمومية
يكشف تقرير “مكافحة الفساد والنزاهة 2026” أن المعركة ضد الفساد في المغرب لم تعد مرتبطة بغياب القوانين، بل بمدى القدرة على تطبيقها بفعالية. وبين تقدم تشريعي ملحوظ وتحديات تنفيذية قائمة، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل النصوص إلى ممارسات يومية تعزز ثقة المواطن وتدعم مسار التنمية.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، فإن تعزيز النزاهة لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الإصلاحات وتحقيق العدالة المجالية والمؤسساتية.






