ثقافة

فاس عاصمةً للرياضيات: البروفيسور بوسمينة يغوص في “فلسفة الصفر” والجامعة الأورومتوسطية تفتح أبواب المستقبل أمام العباقرة الشباب

احتضنت الجامعة الأورومتوسطية بفاس، أمس أمس السبت، فعاليات اليوم العالمي للرياضيات 2026 في نسخته الجديدة، تحت شعار نشر الثقافة العلمية وتعزيز الاهتمام بالرياضيات بين الشباب والمجتمع. وقد جاء هذا الحدث السنوي ليجمع بين التعلم، التحدي، والإبداع العلمي، مستهدفًا التلاميذ من جميع المستويات التعليمية، وطلبة الجامعات، والأساتذة، وأولياء الأمور، في أجواء تفاعلية غنية بالمعرفة والتجارب العملية.

وقد ركزت فعاليات اليوم على الجمع بين المسابقات الرياضية، العروض العلمية، والمحاضرات الفكرية، حيث شارك نحو 500 طالب قدموا من مختلف المدن المغربية في مسابقة “Math Sprint” و بحضور أكثر من 2000 شخص، مزيج من التحدي والتفكير السريع، بينما تابع المشاركون المحاضرات والمداخلات التفاعلية بتركيز وانبهار. وفي هذا الإطار، أثنى المشاركون على الفرصة النادرة التي أتاحها اليوم لتجربة الرياضيات بشكل شيق ومباشر بعيدًا عن مجرد الأرقام والحسابات.

بوسمينة وفلسفة الصفر: الرياضيات لغة الحضارة

كان الحدث الأكثر تأثيرًا في اليوم العالمي للرياضيات هو مداخلة رئيس الجامعة الجامعة الأورومتوسطية، البروفيسور مصطفى بوسمينة، الذي قدّم عرضًا شاملًا حول تاريخ الرياضيات وفلسفة الصفر، مستعرضًا الرحلة الحضارية للرياضيات من العد والقياس وصولًا إلى المعادلات والتجريد، وربطها بالتقدم العلمي عبر العصور.

ركز  البروفيسور بوسمينة على الرقم صفر باعتباره أحد أبرز الأفكار الثورية في تاريخ المعرفة البشرية، مشيرًا إلى أنه رغم أنه غالبًا ما يُساء فهمه أو يُرفض فلسفيًا في بداياته، أصبح لاحقًا حجر الزاوية في الرياضيات الحديثة، والحساب، وحساب التفاضل والتكامل، والحوسبة الرقمية، والنظم العلمية المعاصرة. كما أظهر كيف أن الصفر يمثل جسرًا بين الماضي والحاضر ومستقبل العلوم والتكنولوجيا، من تطبيقاته في المستوي الديكارتي إلى الفيزياء الحديثة، النسبية، والهندسة الرقمية، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي.

وفي سياق أكثر فلسفية، سلط  البروفيسور بوسمينة الضوء على الإبداع والخيال العلمي في الرياضيات، مشيرًا إلى أن المعادلات غالبًا ما تسبق الملاحظات العلمية، وأن الاكتشافات الرياضية ليست مجرد إنجازات تقنية، بل أعمال شجاعة عقلية تكشف عن الواقع قبل أن يُرى. هذا الطرح أسهم في منح الطلاب والأساتذة المشاركين تجربة معرفية نادرة، إذ تابعوا محاضرته بشغف وانبهار، مع تفاعل مباشر وملاحظات حية أضفت على الجلسة جوًا من الحيوية والاندماج الفكري.

الجامعة الأورومتوسطية بفاس: رافعة وطنية للتفكير العلمي

لم يقتصر دور الجامعة على تنظيم اليوم العالمي للرياضيات، بل جاءت جهودها كمبادرة تعليمية وطنية لتعزيز الثقافة العلمية، وإعداد الشباب المغربي ليكونوا قادرين على مواجهة تحديات العصر الحديث، بما في ذلك إدارة الموارد، مواجهة قضايا المناخ، واتخاذ القرار المبني على البيانات.

وأبرز المتحدثون في الافتتاحية أن الرياضيات تُنمّي مهارات الانضباط، التفكير النقدي، والمنطق، وتجهز المغرب بمزيد من المهندسين، الباحثين، والمتخصصين الذين سيكون لهم دور حيوي في التنمية العلمية والتكنولوجية. ومن خلال هذا اليوم، أكدت الجامعة الأورومتوسطية أن الرياضيات ليست مجرد مادة مدرسية، بل أداة حضارية لفهم العالم، وتحفيز الإبداع، وربط الإنسان بالعلوم الحديثة.

الرياضيات.. من الفصول إلى الواقع الوطني

لم تكن الفعاليات ترفيهية فحسب، بل حملت أيضًا رسائل وطنية قوية ترتبط بتحديات التنمية والمعرفة. ففي تصريحات له، أكّد رئيس الجامعة أن هذا اليوم ليس احتفالًا علميًا فحسب، بل يمثل فرصة لتأكيد المكانة التي تحتلها الرياضيات في تكوين المهندسين والباحثين الذين يحتاجهم المغرب في مختلف القطاعات التنموية، من التكنولوجيا إلى البيانات الضخمة وإدارة الموارد.

كما كان الحدث فرصة لإبراز كيف تسهم الرياضيات في تشكل التفكير النقدي، الانضباط، والمنطق، وهي مهارات أساسية لبناء جيل قادر على مواجهة تحديات العصر الحديث، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية والعلمية المتسارعة.

منح دراسية وتوجيه مستقبلي

أحد أبرز المستجدات في نسخة عام 2026 كان الإعلان عن برامج منح دراسية وفرص دعم أكاديمي تشجع الشباب المتفوق على مواصلة مساره العلمي، حيث أعلنت الجامعة عن منح تصل قيمتها السنوية إلى ما بين 110,000 و150,000 درهم لتغطية تكاليف الدراسة للطلبة المتميزين على مدى سنوات دراستهم الجامعية، في إطار التزام الجامعة بتوسيع قاعدة الفرص التعليمية وتسهيل الولوج إلى التعليم العالي.

هذا الإعلان عزز بعدًا جديدًا للحدث، إذ لم يعد مجرد تظاهرة علمية فقط، بل أصبح جسرًا حقيقيًا نحو مستقبل أكاديمي مهني للشباب المغربي.

احتفاء معرفي شامل

اليوم العالمي للرياضيات الذي دابت تنظمه الجامعة الأورومتوسطية بفاس لم يكن نشاطًا محدودًا في زمن أو مكان، بل احتفاءً متكاملًا بعقلنة التفكير والتفوق المعرفي، من خلال سلسلة من المؤتمرات، المسابقات التربوية، وورش العمل التي نُسّقت لتكون وجهةً للتعلم المستمر، التشبيك المعرفي، وترسيخ الرياضيات كلغة حضارية أساسية لفهم العالم.

وفي النهاية، شكل اليوم العالمي للرياضيات فرصة نادرة لتقريب الطلاب والجمهور من قوة الرياضيات الحضارية والفكرية، واستكشاف كيف أن أفكار بسيطة مثل الصفر يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم الكون، والابتكار العلمي، والتقدم التكنولوجي، بما يجعل من الحدث تجربة تعليمية وثقافية لا تُنسى، ويؤكد المكانة الرائدة للجامعة الأورومتوسطية بفاس كمنصة علمية وطنية وإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى