سياسة

ملف الأحد: المغرب 2030… هل نحن أمام إعادة تشكيل شاملة للدولة والمجتمع؟

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

في عمق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وفي ظل سياقات إقليمية ودولية معقدة، يبدو أن المغرب لا يتحرك فقط في إطار تدبير مرحلي للتحديات، بل ينخرط في مسار استراتيجي طويل النفس يروم إعادة تشكيل بنيات الدولة والمجتمع على حد سواء. فالواقع الذي يلوح في الأفق تحت عنوان “2030” لم يعد مجرد محطة زمنية، بل تحول إلى مشروع وطني متكامل تتقاطع فيه رهانات الاقتصاد، والسياسة، والمجال، والهوية، في سياق يقوده برؤية واضحة جلالة الملك محمد السادس، ويترجم ميدانيًا عبر أوراش كبرى تشتغل عليها مؤسسات الدولة بإيقاع ثابت، وإن كان في كثير من الأحيان بعيدًا عن الأضواء.

 منطق الدولة الاستراتيجية… حين تسبق الرؤيةُ اللحظة

منذ أكثر من عقدين، انخرط المغرب في إعادة صياغة عميقة لوظائف الدولة وأدوارها، عبر الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. هذا التحول تجسد في مشاريع مهيكلة شملت البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والصناعة، واللوجستيك، والرقمنة، إضافة إلى إصلاحات مؤسساتية واجتماعية.

اليوم، تتكثف هذه الدينامية بشكل لافت، حيث يتم تسريع وتيرة الإنجاز، وتوسيع نطاق التدخل، في أفق بناء اقتصاد وطني أكثر صلابة وتنافسية. مشاريع كبرى تُنجز، شبكات تُربط، مدن تُعاد تهيئتها، واستثمارات تُستقطب، في مشهد يعكس دولة تشتغل وفق رؤية متكاملة، لا وفق ردود أفعال ظرفية.

وإذا كان لافتًا أن جزءًا كبيرًا من هذه التحولات يتم في صمت، فإن ذلك يعكس خيارًا واضحًا: التركيز على الأثر بدل الخطاب، وعلى النتائج بدل الشعارات. وهو ما يطرح، في المقابل، سؤالًا عريضًا حول موقع الفاعل السياسي داخل هذه المعادلة.

 كأس العالم 2030… رافعة لإعادة تسريع التحول

يشكل تنظيم كأس العالم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لحظة مفصلية في هذا المسار. فهذه التظاهرة العالمية ليست مجرد حدث رياضي عابر، بل رافعة استراتيجية متعددة الأبعاد، ستعيد تشكيل العديد من القطاعات الحيوية داخل المملكة.

ففي أفق هذا الموعد، تُسابق الدولة الزمن:

  • لتحديث البنيات التحتية الحضرية
  • لتوسيع شبكات النقل والربط بين المدن
  • لتأهيل المرافق السياحية والخدماتية
  • لإعادة هيكلة الفضاءات الحضرية بشكل يليق بمكانة المغرب

لكن الأهم من كل ذلك، أن “مونديال 2030” يمثل اختبارًا لقدرة المغرب على الانتقال من بلد نامٍ إلى فاعل دولي قادر على التنظيم، والتدبير، والتأثير. إنه لحظة لعرض النموذج المغربي أمام العالم، ليس فقط في الملاعب، بل في طريقة إدارة الدولة، وجودة خدماتها، ومستوى جاهزية مؤسساتها.

 المفارقة الصارخة… دولة تشتغل وسياسة تتراجع

في مقابل هذه الدينامية الاستراتيجية، تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها: اتساع الفجوة بين الدولة كفاعل تخطيطي، والأحزاب كفاعل سياسي مفترض.

فالواقع يكشف أن جزءًا كبيرًا من النخب السياسية ما زال يتحرك داخل منطق ضيق، تحكمه حسابات انتخابية آنية، وصراعات داخلية، وخطابات شعبوية في كثير من الأحيان. بدل أن تنخرط في مواكبة التحولات الكبرى، وتقديم تصورات بديلة، وتؤطر النقاش العمومي، نجدها غارقة في سجالات هامشية، لا تعكس حجم الرهانات المطروحة.

هذا الوضع يفرز عدة اختلالات:

  • ضعف الوساطة بين الدولة والمجتمع
  • تراجع الثقة في العمل السياسي
  • غياب نقاش عمومي استراتيجي حول مستقبل البلاد

بل أكثر من ذلك، يبدو وكأن بعض المنتخبين يتعاملون مع الشأن العام بمنطق التدبير الإداري الضيق، دون استحضار البعد الاستراتيجي للتحولات الجارية، وكأن المغرب لا يعيش لحظة مفصلية تستدعي تعبئة جماعية.

 تحولات مجتمعية عميقة… مجتمع يتغير بصمت

بموازاة التحولات المؤسساتية والاقتصادية، يشهد المجتمع المغربي تغيرات عميقة، تعيد تشكيل بنيته وقيمه وعلاقاته. فأنماط العيش تتبدل، والانتظارات ترتفع، والعلاقة مع الدولة ومع السياسة تعرف تحولات جوهرية.

الطبقة المتوسطة، التي شكلت تاريخيًا ركيزة التوازن الاجتماعي، تواجه ضغوطًا متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص الهوامش الاقتصادية. أما الشباب، فقد دخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف موقعه داخل المجتمع، حيث لم تعد القنوات التقليدية للتأطير (أحزاب، نقابات) قادرة على استيعاب تطلعاته.

في المقابل، برزت أشكال جديدة من التعبير، خاصة عبر الفضاء الرقمي، حيث أصبح الرأي العام يُصنع خارج المؤسسات الكلاسيكية. وهو ما يطرح تحديًا حقيقيًا أمام الدولة: كيف يمكن مواكبة هذه التحولات دون الإخلال بالتوازنات؟

 الدولة الاجتماعية… من الشعار إلى الاختبار

ضمن هذا المسار، يبرز مشروع تعميم الحماية الاجتماعية و تخصيص الدعم الشهري للأسر التي تعاني الهشاشة كأحد أعمدة التحول الجاري. فهو يمثل انتقالًا نوعيًا في علاقة الدولة بالمواطن، من منطق الإحسان إلى منطق الحق.

غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، يطرح تحديات كبرى:

  • تأمين التمويل المستدام
  • تحسين جودة الخدمات
  • ضمان العدالة في الاستفادة

وهنا يظهر مجددًا غياب الفاعل السياسي القادر على تأطير هذا الورش، وتبسيط رهاناته، ومواكبة تنزيله ميدانيًا، بدل الاكتفاء بمواقف ظرفية أو انتقائية.

 المغرب في عالم متغير… تموقع محسوب

في سياق دولي يتسم بعدم اليقين، يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه كفاعل إقليمي ودولي، عبر تنويع شراكاته، والانفتاح على أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا، حيث أصبح حضوره الاقتصادي والمالي ملموسًا.

هذا التموقع لا يتم بشكل عفوي، بل يعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى:

  • تعزيز السيادة الاقتصادية
  • تقليص التبعية
  • توسيع هامش المناورة

وهو ما يجعل من “المغرب 2030” ليس فقط مشروعًا داخليًا، بل جزءًا من إعادة تموقع شامل داخل الخريطة الجيوسياسية العالمية.

 التحديات… الوجه الآخر للتحول

رغم كل هذه الدينامية، لا يمكن إغفال التحديات التي قد تعرقل هذا المسار:

  • الفوارق المجالية الصارخة
  • الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة الماء
  • بطء بعض الإصلاحات الإدارية
  • هشاشة بعض الفئات الاجتماعية

هذه التحديات تفرض تسريع وتيرة الإصلاح، وتعزيز التنسيق، وضمان انخراط كل الفاعلين، لأن أي اختلال في هذه المرحلة قد تكون له كلفة مضاعفة.

  لحظة حاسمة بين مشروع الدولة وغياب السياسة

ما يعيشه المغرب اليوم يتجاوز كونه مرحلة عادية من التطور، ليقترب من كونه لحظة إعادة تأسيس هادئة، تقودها الدولة برؤية واضحة، وتدعمها أوراش ميدانية كبرى، وتؤطرها رهانات دولية بحجم كأس العالم 2030.

لكن، في مقابل هذا النفس الاستراتيجي، يظل السؤال معلقًا:
هل يواكب الفاعل السياسي هذه اللحظة؟

فبين دولة تشتغل بصمت وتبني للمستقبل، ونخب سياسية غارقة في تفاصيل الحاضر، تتسع الفجوة، ويكبر التحدي. لأن نجاح “المغرب 2030” لا يمكن أن يكون مشروع دولة فقط، بل يجب أن يتحول إلى مشروع مجتمع، يشارك فيه الجميع: مؤسسات، أحزاب، نخب، ومواطنون.

وإلى أن يتحقق هذا الانخراط الشامل، سيظل المغرب يسير بسرعتين:
سرعة دولة تعرف إلى أين تتجه…
وسرعة سياسة لم تحسم بعد وجهتها.

وفي هذا التفاوت، يتحدد مستقبل بلد لا ينتظر المترددين… بل يراهن على من يمتلكون وضوح الرؤية وجرأة الفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى