بين قرارات المجلس الإداري وصرخات المقصيين… هل أخلفت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي وعد الإنصاف؟

في الوقت الذي صادق فيه المجلس الإداري لـ الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وبحضور المديرة العامة وفاء جمالي، على حزمة جديدة من الاتفاقيات والآليات الرامية إلى تعزيز نظام الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع قاعدة المستفيدين، يطفو على السطح سؤال حارق: كيف يمكن الحديث عن التوسيع بينما آلاف الأسر تؤكد أنها أُقصيت فعلياً من حقها في الدعم؟
البلاغات الرسمية تتحدث عن “تحسين الحكامة” و”تجويد الاستهداف” و”إرساء آليات للتتبع وتقييم الأداء”، لكن الواقع الاجتماعي في عدد من الأحياء الشعبية والقرى النائية يروي قصة أخرى، عنوانها الأبرز: الإقصاء، الغموض، وانعدام التواصل.
بين الأرقام الرسمية والواقع الاجتماعي
منذ إطلاق ورش الدعم الاجتماعي المباشر، قُدّم المشروع باعتباره أحد أعمدة الدولة الاجتماعية، وركيزة أساسية لتوجيه التحويلات المالية إلى الأسر الأكثر هشاشة. غير أن اعتماد منظومة رقمية ومعايير تنقيط جديدة لتحديد الاستحقاق، أفرز حالات عديدة تم فيها توقيف الاستفادة عن أسر كانت تتوصل بالدعم، دون تفسير واضح أو مسطرة طعن فعّالة وشفافة.
المشكلة لا تكمن في مبدأ المراجعة أو في تحيين المعطيات، بل في غياب تواصل مؤسساتي يشرح للمواطنين أسباب الإقصاء، وآجال الطعن، ومعايير إعادة الإدماج. آلاف الطلبات رُفضت أو جُمّدت، بينما تظل المعايير التقنية خلف ستار من الغموض الإداري.
وهنا تتجلى المفارقة: المجلس الإداري يصادق على توسيع القاعدة، لكن الشارع يتحدث عن تقلصها في الواقع.
أسئلة مشروعة حول الحكامة والتعيينات
تعيين المديرة العامة للوكالة، التي يُنظر إليها على أنها قريبة من حزب رئيس الحكومة، أثار منذ البداية نقاشاً سياسياً حول استقلالية القرار داخل مؤسسة يفترض أن تكون ذات طابع اجتماعي محض، بعيدة عن أي حسابات حزبية.
ليس الإشكال في الانتماء السياسي بحد ذاته، بل في الصورة التي تتشكل لدى الرأي العام عندما ترتبط مؤسسة تُدير مليارات الدراهم من التحويلات الاجتماعية باسم سياسي معيّن. هذا الارتباط يُضاعف من منسوب الشك، خاصة حين تتراكم شكاوى المواطنين حول الإقصاء وعدم الإنصاف.
خلال الفترة التي تولت فيها الإدارة الحالية قيادة الوكالة، لم يُسجّل – وفق معطيات متداولة في النقاش العمومي – أي تعديل جوهري في آلية احتساب الاستحقاق يأخذ بعين الاعتبار الحالات الاجتماعية المعقدة، مثل الأسر التي تعيش على الكراء، أو التي تضم أشخاصاً في وضعية إعاقة دون دخل قار، أو مسنين بدون سند عائلي.
آلية التتبع: هل تكفي المؤشرات الرقمية؟
تؤكد الوكالة أنها وضعت خطة لتتبع مؤشرات الأداء وقياس نجاعة البرنامج، غير أن التركيز على المؤشرات الكمية – عدد الملفات المعالجة، زمن الرد، نسبة القبول – لا يعكس بالضرورة العدالة الاجتماعية المنشودة.
فما جدوى مؤشر رقمي إيجابي إذا كانت أسر في وضعية هشاشة حقيقية خارج اللائحة؟
وما معنى تحسين الأداء الإداري إذا كان المواطن لا يجد باباً واضحاً للطعن أو المراجعة؟
إن أي نظام دعم اجتماعي ناجح يقوم على ثلاثة أعمدة: الاستهداف الدقيق، الشفافية في المعايير، وإمكانية المراجعة العادلة. وإذا اختلّ أحد هذه الأعمدة، يتحول المشروع من أداة للإنصاف إلى مصدر للاحتقان.
الفئات المنسية: إعاقة، شيخوخة، وهشاشة صامتة
من أبرز النقاط التي يثيرها المتتبعون ضرورة إعادة النظر في وضعية الأشخاص في حالة إعاقة، خاصة أولئك الذين يعيشون داخل أسر فقيرة لا تتوفر على دخل ثابت. كما أن المسنين الذين يقطنون بدور الرعاية أو يعيشون في بيوت للكراء دون دعم عائلي، يجدون أنفسهم في منطقة رمادية لا تشملها المعايير الحالية بالشكل الكافي.
الدعم الاجتماعي المباشر لا يمكن أن يُختزل في معادلة حسابية صرفة؛ فالهشاشة ليست رقماً فقط، بل سياق اجتماعي كامل: مرض مزمن، بطالة طويلة الأمد، إعالة أطفال، تكاليف علاج، ديون متراكمة.
إن توسيع قاعدة المستفيدين لا يعني فقط رفع العدد الإجمالي، بل يعني أولاً إعادة إدماج الذين أُقصوا ظلماً أو بسبب خلل تقني أو إداري خلال العامين الماضيين.
مسؤولية سياسية وأخلاقية
عندما يترأس رئيس الحكومة المجلس الإداري للوكالة، فإن المسؤولية تصبح مضاعفة: سياسية وأخلاقية. فنجاح ورش الدولة الاجتماعية هو رهان حكومي بامتياز، وأي تعثر أو شعور بالظلم سينعكس مباشرة على صورة الحكومة ومصداقيتها.
الرهان اليوم ليس في إصدار بلاغات جديدة أو توقيع اتفاقيات إضافية، بل في فتح ورش مراجعة شاملة وشفافة للوائح المقصيين، مع نشر معايير واضحة ومبسطة، وإحداث آلية طعن مستقلة وفعّالة تمكّن المواطن من معرفة سبب الإقصاء بدقة، مع إمكانية تصحيحه.
بين الخطاب والواقع
الخطاب الرسمي يتحدث عن “تعزيز العدالة الاجتماعية” و”ترسيخ مبادئ الدولة الاجتماعية”، لكن العدالة لا تُقاس بالشعارات، بل بعدد الأسر التي تشعر أن الدولة أنصفتها ولم تتركها في الهامش.
اليوم، أمام الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي فرصة حقيقية لتصحيح المسار:
-
إعادة إدماج المستفيدين الذين تم إقصاؤهم دون مبرر واضح.
-
توسيع الاستفادة لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً ذوي الإعاقة والمسنين في وضعية كراء أو رعاية.
-
نشر تقارير دورية مفصلة حول معايير الاستهداف ونسب الطعون المقبولة.
-
تعزيز الاستقلالية المؤسساتية بما يبدد أي شبهة تسييس للملف الاجتماعي.
الدعم ليس امتيازاً… بل حق
الدعم الاجتماعي المباشر ليس مِنّة من أحد، بل هو جزء من عقد اجتماعي يربط الدولة بمواطنيها، خصوصاً في سياق اقتصادي صعب يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص القدرة الشرائية.
إذا كانت الحكومة جادة في توسيع قاعدة المستفيدين، فعليها أولاً أن تُعيد الثقة للمقصيين، وأن تثبت أن المعايير تُطبَّق بروح الإنصاف لا بمنطق الأرقام الباردة.
الامتحان الحقيقي لأي إصلاح اجتماعي لا يكمن في عدد الاتفاقيات المصادق عليها داخل قاعات الاجتماعات، بل في ابتسامة أسرة عادت إليها الاستفادة بعد أن كانت تشعر بأنها تُركت خلف الباب المغلق لمنظومة رقمية لا ترى إلا المعطيات… ولا تسمع أنين الواقع.






