قضايا

تحقيقات مركزية تكشف شبهة “شبكات تبادل الصفقات” داخل الجماعات الترابية… عندما تتحول المشاريع العمومية إلى دائرة مغلقة للمصالح

تشهد كواليس تدبير الصفقات العمومية داخل عدد من الجماعات الترابية حركية غير مسبوقة بعد أن باشرت مصالح مركزية بوزارة الداخلية أبحاثاً إدارية معمقة حول شبهات فساد تحيط بعدد من صفقات الأشغال العمومية، في ملف يُرجح أن يكشف شبكة معقدة من العلاقات والمصالح المتبادلة بين منتخبين محليين وشركات خاصة.

وتفيد معطيات متقاطعة بأن التحقيقات الجارية تركز على فرضية وجود ما يشبه “شبكات لتبادل الصفقات”، حيث يتم تمرير مشاريع عمومية لشركات يشتبه في ارتباطها بمسؤولين محليين، مقابل حصول شركات أخرى مرتبطة بهم على صفقات مماثلة داخل جماعات ترابية مختلفة. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية في تدبير المال العام.

صفقات تنموية تحت مجهر التدقيق

ووفق المعطيات المتوفرة، فإن التحقيقات الإدارية الجارية تشمل تدقيقاً واسعاً في مجموعة من المشاريع التي أشرفت عليها جماعات ترابية خلال السنوات الأخيرة، خاصة تلك المرتبطة ببرامج التنمية المحلية وفك العزلة عن المناطق القروية.

وتتعلق هذه المشاريع أساساً بإنجاز الطرق القروية، وربط الساكنة بشبكات الماء الصالح للشرب، وبناء مؤسسات تعليمية، إضافة إلى تجهيز الآبار بأنظمة الطاقة الشمسية لضخ مياه السقي، وهي مشاريع يفترض أن تشكل رافعة للتنمية المجالية وتحسين ظروف عيش السكان.

غير أن المؤشرات الأولية التي توصلت بها الجهات المختصة أثارت شكوكا حول الطريقة التي تم بها تمرير بعض الصفقات، خصوصاً بعد ملاحظة نمط متكرر يتمثل في فوز شركات بعينها بحصة كبيرة من المشاريع داخل نفوذ عدد من الجماعات، الأمر الذي دفع المفتشين إلى فتح تحقيقات موسعة للتأكد من سلامة الإجراءات القانونية والتنظيمية.

شركات بأسماء الأقارب… ومالكون في الظل

ومن بين النقاط التي تحظى باهتمام كبير في التحقيقات الجارية مسألة ملكية الشركات التي فازت بعدد من الصفقات العمومية، حيث يجري التحقق من احتمال امتلاك بعض المسؤولين المحليين لهذه الشركات بشكل غير مباشر.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن بعض هذه المقاولات مسجلة رسمياً بأسماء أقارب أو أشخاص مقربين من مسؤولين جماعيين، ما يجعلهم بمثابة واجهة قانونية تخفي المالك الحقيقي. وهو أسلوب يشتبه في استعماله للتحايل على القوانين المنظمة للصفقات العمومية وتفادي الوقوع في حالة تضارب المصالح.

وفي هذا الإطار، تعمل الجهات المختصة على تتبع مسارات الملكية القانونية للشركات المعنية، مع الاستعانة بقواعد بيانات متعددة تعود إلى إدارات عمومية مختلفة، من أجل رصد أي علاقات قرابة أو مصالح مشتركة قد تربط بين المنتخبين المحليين والمقاولات المتعاقدة مع الجماعات الترابية.

دفاتر تحملات “مفصلة على المقاس”

كما كشفت المؤشرات الأولية لعمليات التدقيق عن احتمال وجود اختلالات في إعداد دفاتر التحملات الخاصة ببعض الصفقات العمومية، حيث يشتبه في وضع شروط تقنية دقيقة تبدو في ظاهرها قانونية لكنها في الواقع مصممة على مقاس شركات محددة.

هذا النوع من الممارسات، إن ثبتت صحته، يسمح بإقصاء المنافسين المحتملين بشكل غير مباشر، رغم احترام المساطر القانونية من الناحية الشكلية، وهو ما يفرغ مبدأ المنافسة الحرة من مضمونه ويحول الصفقات العمومية إلى مجال مغلق أمام عدد محدود من المقاولات المرتبطة بشبكات النفوذ المحلي.

ويؤكد مختصون في تدبير الصفقات العمومية أن هذه الأساليب تعد من أكثر الطرق شيوعاً للتحايل على قواعد الشفافية، إذ يتم استعمال تفاصيل تقنية دقيقة لا يمكن تلبيتها إلا من طرف شركة بعينها، ما يجعل نتائج طلبات العروض محسومة سلفاً.

افتحاص عشرات المشاريع

وفي إطار التحقيقات الجارية، يرتقب أن تقوم لجنة التفتيش التابعة للمصالح المركزية بافتحاص عشرات المشاريع التي تم إنجازها أو ما تزال قيد التنفيذ، خاصة تلك التي أثيرت حولها شبهات تتعلق بظروف تمرير الصفقات أو بتكرار فوز مقاولات معينة بها.

كما ستشمل الأبحاث حالات أخرى مرتبطة بتضارب المصالح، خصوصاً عندما يكون أحد المسؤولين المحليين قد سبق له أن تولى تسيير شركة خاصة قبل توليه المسؤولية، ثم أعلن انسحابه منها شكلياً بعد تقلده منصباً عمومياً.

غير أن التحقيقات الجارية تحاول التأكد مما إذا كان هذا الانسحاب قد تم فعلاً بشكل كامل، أم أنه مجرد إجراء قانوني صوري يهدف إلى الالتفاف على القوانين التي تمنع الجمع بين المسؤولية العمومية والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالصفقات.

تحايل قانوني أم اختلالات بنيوية؟

وتشير بعض المعطيات إلى أن أحد المسؤولين المحليين قدم استقالته رسمياً من تسيير شركة خاصة بعد توليه مهامه داخل الجماعة الترابية، غير أن إدارة الشركة انتقلت إلى مقربين منه، ما يطرح تساؤلات حول استمرار تأثيره الفعلي في تدبيرها.

ويعد هذا النوع من الحالات من أبرز النقاط التي تركز عليها التحقيقات، خصوصاً أن المرسوم المنظم للصفقات العمومية يمنع بشكل صريح وجود أي تضارب للمصالح، سواء بالنسبة لأعضاء لجان طلب العروض أو بالنسبة للمقاولات المتنافسة.

كما يلزم القانون المتعهدين بالتصريح ضمن وثائق المشاركة بأنهم لا يوجدون في وضعية تضارب مصالح مع الجهة صاحبة المشروع، وهو إجراء يهدف إلى حماية المال العام وضمان نزاهة المنافسة بين المقاولات.

المال العام بين التنمية وشبهات الاستغلال

وتكتسي هذه التحقيقات أهمية كبيرة بالنظر إلى حجم الاعتمادات المالية الضخمة التي رُصدت خلال السنوات الأخيرة لتمويل مشاريع التنمية المحلية وتقليص الفوارق المجالية بين المناطق.

غير أن بروز شبهات حول احتمال استغلال هذه المشاريع لتحقيق مصالح خاصة يهدد بتقويض أهداف هذه البرامج التنموية، ويطرح تحديات حقيقية أمام جهود إصلاح الحكامة الترابية وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام المحلي.

ويرى متتبعون للشأن المحلي أن هذه التحقيقات قد تشكل منعطفاً مهماً في مسار محاربة الفساد المرتبط بالصفقات العمومية، خصوصاً إذا ما أفضت إلى ترتيب المسؤوليات الإدارية والقانونية في حق المتورطين المحتملين.

نحو تشديد الرقابة على الصفقات العمومية

في المقابل، يتوقع أن تسهم نتائج هذه الأبحاث في دفع السلطات المختصة إلى تشديد آليات المراقبة والتتبع المرتبطة بالصفقات العمومية داخل الجماعات الترابية، خاصة في ما يتعلق بآليات إعداد دفاتر التحملات، وتتبع مسارات ملكية الشركات المتعاقدة، ورصد حالات تضارب المصالح.

كما أن هذا الملف يعيد إلى الواجهة النقاش حول ضرورة تعزيز الشفافية في تدبير المال العام المحلي، وضمان تكافؤ الفرص بين المقاولات المتنافسة، بما يضمن توجيه الاستثمارات العمومية نحو تحقيق التنمية الحقيقية بدل تحويلها إلى مجال لتبادل المصالح والنفوذ.

وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية، يبقى هذا الملف مؤشراً واضحاً على أن ورش تخليق الحياة العامة، خاصة على المستوى المحلي، ما يزال يواجه تحديات كبيرة تتطلب يقظة مؤسساتية مستمرة وإرادة حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى