غير مصنف

الصحراء المغربية: نحو مفاوضات الحسم من موقع القوة… لا الوهم

تتقاطع المعطيات الجيوسياسية الراهنة عند حقيقة واحدة لا لبس فيها: ملف الصحراء المغربية يتجه بثبات نحو لحظة مفصلية، عنوانها مفاوضات الحسم، وسياقها مختلف جذرياً عن كل ما سبق. فالمغرب لا يدخل هذه المحطة من موقع الترقب أو الدفاع، بل من موقع المبادرة والارتياح الدبلوماسي، مسنوداً بتحول عميق في موازين الاعتراف الدولي، وبتكريس متزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والوحيد تحت السيادة المغربية.

لقد نجحت الرباط،و تحت إشراف التعليمات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، خلال سنوات من العمل الهادئ والمتراكم، في تفكيك الأوهام التي أحاطت بهذا النزاع المفتعل، وأجبرت الجزائر على الخروج من منطقة “الإنكار الدبلوماسي”، لتظهر، رغماً عنها، كطرف مباشر ومسؤول سياسياً وقانونياً عن إدامة هذا الملف. غير أن هذا التقدم، مهما كان لافتاً، لا ينبغي أن يتحول إلى شعور زائف بالأمان. فالدبلوماسية لا تعترف بالانتصارات النهائية، بل تحاسب على ما يُثبت فوق الطاولات لا ما يُقال في الكواليس.

المفاوض المغربي يدرك جيداً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدخول إلى المفاوضات، بل في كيفية إدارتها. فالتاريخ الدبلوماسي علمنا أن أكثر الانزلاقات خطورة تقع في التفاصيل الصغيرة، وأن ما يُنتزع تحت ضغط اللحظة قد يتحول لاحقاً إلى ثغرة استراتيجية.

ثوابت لا تقبل المساومة

انطلاقاً من مرجعية الحكم الذاتي، يتحرك المغرب داخل سقف سيادي صارم، لا يحتمل التأويل ولا يخضع لمنطق المقايضة. وإذا كانت المفاوضات بطبيعتها مجالاً للأخذ والرد، فإن هناك ثوابت تشكل العمود الفقري لأي تسوية مستقبلية:

  • السيادة الكاملة وغير القابلة للتجزئة: الصحراء مغربية بحكم التاريخ والقانون والواقع، والمفاوضات ليست منصة لإعادة طرح هذه الحقيقة، بل آلية لتكريسها.

  • الحكم الذاتي كحل نهائي: الحديث عن حكم ذاتي دائم وتحت السيادة المغربية، لا عن صيغ انتقالية أو حلول ضبابية تفتح الباب لسيناريوهات ملغومة.

  • ضبط الصلاحيات والحدود الإدارية: تحصين نموذج الحكم الذاتي من أي انحراف قد يحوله، تحت ضغط خارجي أو داخلي، إلى استقلال مقنّع.

  • رموز السيادة خطوط حمراء: العلم، العملة، المؤسسة العسكرية، والتمثيل الدبلوماسي عناصر سيادية غير قابلة للنقاش أو التفاوض.

ما دون ذلك يظل شأناً تدبيرياً وتقنياً، يخضع للمرونة والتوافق، دون المساس بجوهر السيادة.

المعركة الموازية: حرب السرديات

المواجهة لن تُحسم فقط داخل قاعات التفاوض. فبالتوازي مع المسار السياسي، ستُشن حرب شرسة على مستوى السرديات. خصوم الوحدة الترابية، بعد إفلاس أطروحاتهم ميدانياً ودبلوماسياً، سيعوضون خسارتهم باللجوء إلى الإعلام الدولي والمنصات الرقمية، في محاولة لتشويه المبادرة المغربية أو خلق ضغط نفسي وسياسي موازٍ.

لهذا، فإن الاستعداد الإعلامي والاستراتيجي لا يقل أهمية عن الجاهزية التفاوضية. تحصين الرأي العام الوطني، وبناء خطاب دولي عقلاني وموثق، أصبحا جزءاً لا يتجزأ من معركة السيادة. فالكسب الحقيقي اليوم لا يُقاس فقط بعدد الدول الداعمة، بل بقدرة المغرب على تثبيت روايته كحقيقة مرجعية غير قابلة للتشكيك.

الحذر… شرط النصر

المغرب الذي نجح في إعادة رسم خريطة المواقف الدولية، قادر على تثبيت هذا التحول فوق طاولة المفاوضات. غير أن مفتاح النجاح يبقى هو الحذر. فالدبلوماسية ميدان متحرك، والانتصارات فيه لا تُحمى إلا باليقظة، والثبات على الخطوط الحمراء.

وعندما تُدار مفاوضات الحسم بعقل بارد، ونَفَس استراتيجي طويل، تتحول طاولة التفاوض من فضاء للمخاطر إلى منصة لتكريس الحقوق. وفي هذا الامتحان، يملك المغرب اليوم كل عناصر القوة… شريطة ألا يفرط في ما راكمه، وألا يساوم على ما هو غير قابل للمساومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى