اقتصاد

وكالة تقنين القنب الهندي بين التعثر الميداني وتذمر المهنيين… غياب الحضور الترابي يثير علامات استفهام حول نجاعة التدبير..هل حان وقت رحيل “الكروج”

بعد أزيد من أربع سنوات على تعيين محمد الكروج مديراً للوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي منذ شتنبر 2022، ما يزال النقاش حول حصيلة هذا الورش مفتوحاً على أكثر من مستوى، في ظل استمرار الفجوة بين الأهداف المعلنة المرتبطة بخلق اقتصاد مقنن ومنظم، وبين الواقع الميداني في الأقاليم الثلاثة المعنية بالزراعة، وهي تاونات وشفشاون وجزء من إقليم الحسيمة، حيث لا تزال التحولات الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة محدودة الأثر حسب فاعلين محليين ومهنيين.

فمنذ إطلاق هذا الورش باعتباره مشروعاً استراتيجياً لتحويل نشاط غير مهيكل إلى قطاع قانوني منتج، كان الرهان الأساسي هو إدماج آلاف الفلاحين في منظومة اقتصادية شفافة، وتطوير سلاسل التثمين الصناعي في مجالات الطب والتجميل والصناعة، غير أن المؤشرات الميدانية الحالية تشير إلى بطء واضح في تحقيق هذه الأهداف، سواء على مستوى تسويق المنتوج المقنن أو على مستوى استقرار دخل الفلاحين أو جذب استثمارات وطنية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل البلاد.

وفي مقابل الخطاب الرسمي الذي يبرز التقدم التدريجي للقطاع، تبرز معطيات أخرى ذات دلالة قوية في النقاش العمومي، تتعلق باستمرار الحصيلة السنوية التي تعلنها وزارة الداخلية بخصوص حجز كميات مهمة من القنب الهندي في إطار محاربة الاتجار غير المشروع، وهو ما يعتبره عدد من المتتبعين مؤشراً على أن الانتقال من الاقتصاد غير المهيكل إلى الاقتصاد المقنن لم يحقق بعد التحول العميق المنتظر، وأن جزءاً من المنظومة ما يزال خارج التأطير الفعلي رغم مرور سنوات على إطلاق عملية التقنين.

هذا التوازي بين استمرار الحجز الأمني من جهة، وبطء نمو السوق القانونية من جهة أخرى، يفتح نقاشاً واسعاً حول نجاعة النموذج التدبيري المعتمد، وحول مدى قدرة الوكالة على تقليص الفجوة بين المجالين المهيكل وغير المهيكل، خاصة أن الهدف الاستراتيجي من المشروع لم يكن فقط التنظيم القانوني، بل خلق بديل اقتصادي حقيقي للفلاحين وتحويل المنطقة إلى قطب إنتاجي مندمج.

في هذا السياق، تتعالى أصوات داخل الأوساط المهنية والفلاحية تنتقد محدودية الأثر الميداني للوكالة، معتبرة أن عدداً من المزارعين لا يزالون يواجهون صعوبات في تسويق إنتاجهم داخل القنوات القانونية، إلى جانب تأخر أو تعقيد بعض آليات الأداء والتعويض، ما أدى إلى حالة من الانتظارية وعدم اليقين لدى فئات واسعة من الفلاحين الذين ربطوا مستقبلهم الاقتصادي بهذا الورش.

كما يوجه بعض المتتبعين ملاحظات تتعلق بضعف الحضور الترابي للوكالة داخل مناطق الإنتاج، حيث يعتبرون أن التسيير ظل متمركزاً بشكل كبير في الإطار الإداري المركزي، في حين أن طبيعة هذا القطاع تتطلب مواكبة ميدانية دقيقة ومستمرة، بالنظر إلى حساسيته الاجتماعية والاقتصادية وتعقيد تحوله من اقتصاد غير منظم إلى اقتصاد مقنن قادر على المنافسة.

وبالتوازي مع ذلك، يبرز اسم محمد الكروج داخل هذا النقاش باعتباره المسؤول الأول عن تدبير المرحلة منذ التعيين في شتنبر 2022، حيث يرى منتقدون أن مرور هذه المدة الزمنية كان كافياً لإظهار أثر أوضح على مستوى النتائج، سواء من حيث حجم الاستثمارات الوطنية في الصناعة التحويلية أو من حيث تحسين دخل الفلاحين أو توسيع قاعدة المستفيدين، غير أن المؤشرات الحالية، وفق هذا الطرح، ما تزال دون مستوى التطلعات.

وفي ظل هذا التقييم المتباين، يطرح بعض الفاعلين سؤال المسؤولية السياسية والتدبيرية عن مآلات هذا الورش، خاصة في ارتباطه بسياق حكومي أوسع يقوده رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي ارتبط إطلاق هذا المشروع في مرحلته التنفيذية بخيارات حكومية تعتبره جزءاً من رؤية تنموية أوسع، غير أن بطء النتائج يفتح باب التساؤل حول حدود التقييم السياسي للمشاريع الاستراتيجية عند نهاية الولاية الحكومية المرتقبة في 2026.

ورغم ذلك، يرى متتبعون آخرون أن اختزال الإشكال في الأشخاص قد لا يكون كافياً لفهم تعقيدات الملف، إذ يرتبط نجاح هذا الورش أيضاً بعوامل متعددة تشمل البنية القانونية، وجاذبية الاستثمار، وتنافسية السوق الدولية، إضافة إلى التحديات الاجتماعية المرتبطة بتحول عميق في نمط عيش واقتصاد مناطق بأكملها.

في المحصلة، يقف ملف تقنين القنب الهندي اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين خطاب رسمي يؤكد على الاستمرارية والتدرج، ومعطيات ميدانية تبرز بطئاً في التحول وأثرًا محدوداً على الأرض، وبينهما تتسع أسئلة الفلاحين والمهنيين حول جدوى الانتظار، وحول ما إذا كان هذا الورش سيتحول فعلاً إلى رافعة تنموية، أم سيظل في منطقة انتقالية طويلة الأمد تحتاج إلى مراجعة أعمق في آليات التدبير والنتائج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى