ملف الأحد – قوة الاستقرار في عالم مضطرب كيف نجح جلالة الملك محمد السادس في بناء معادلة “القوة الهادئة” وسط الحروب الإقليمية

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في عالم يتغير بسرعة ويزداد اضطرابًا، تبدو خريطة العلاقات الدولية اليوم وكأنها ساحة مفتوحة للأزمات والحروب. من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، ومن البحر الأسود إلى الخليج العربي، تتكاثر بؤر التوتر وتتعقد موازين القوى، في وقت أصبحت فيه الحروب جزءًا من المشهد الدولي اليومي. وسط هذا المناخ المضطرب، يبرز المغرب كاستثناء سياسي واستراتيجي في منطقة تعاني من عدم الاستقرار، إذ استطاعت المملكة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس أن ترسخ نموذجًا فريدًا يجمع بين القوة العسكرية المتنامية والدبلوماسية الهادئة، وبين حماية المصالح الوطنية والانخراط في الشرعية الدولية.
هذا التوازن لم يأت من فراغ، بل هو نتاج رؤية استراتيجية طويلة المدى اختار فيها المغرب أن يكون بلد الاستقرار الإقليمي وفاعلًا في صناعة السلام، بدل الانخراط في مغامرات عسكرية أو صراعات إقليمية قد تهدد أمنه واستقراره. وبينما تتسابق دول كثيرة إلى سباقات التسلح والحروب، يواصل المغرب بناء قوته الدفاعية، لكنه يفضل استخدامها كوسيلة ردع لا كأداة صراع.
إنها معادلة سياسية دقيقة يمكن وصفها بـ”القوة الهادئة”، وهي السياسة التي طبعت توجهات المغرب في عهد الملك محمد السادس خلال أكثر من ربع قرن.
الاستقرار المغربي في زمن الفوضى الدولية
خلال العقد الأخير، شهد العالم تحولات جيوسياسية عميقة أعادت رسم موازين القوى الدولية. الحروب أصبحت أكثر تعقيدًا، والصراعات الإقليمية تحولت إلى مواجهات مفتوحة بين قوى دولية وإقليمية. في هذا السياق، تبدو أووربا و منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من أكثر المناطق توترًا، حيث تعيش عدة دول حالة من عدم الاستقرار نتيجة الحروب والنزاعات العسكرية المتكررة.
لكن في الضفة الأخرى من العالم العربي، ظل المغرب يقدم نموذجًا مغايرًا. فالمملكة لم تدخل في أي حرب منذ عقود، ولم تنخرط في نزاعات عسكرية رغم امتلاكها جيشًا قويًا ومتطورًا. بل على العكس من ذلك، اختار المغرب أن يرسخ مكانته كبلد للاستقرار الإقليمي وفاعل في الدبلوماسية الدولية.
ويرى العديد من المحللين أن هذا الاستقرار يعود أساسًا إلى الرؤية السياسية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
أولها تعزيز قوة الدولة ومؤسساتها، وثانيها بناء جيش حديث قادر على الردع، وثالثها ترسيخ دبلوماسية نشطة تقوم على الحوار والشراكة بدل الصراع.
هذه المقاربة جعلت المغرب اليوم واحدًا من أكثر الدول استقرارًا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بل أصبح يُنظر إليه دوليًا كنموذج للاستقرار في منطقة مضطربة.
جيش قوي… لكن بعقيدة دفاعية
خلال السنوات الأخيرة، عمل المغرب على تحديث ترسانته العسكرية بشكل ملحوظ، حيث عزز قدراته الدفاعية بمنظومات عسكرية متطورة، سواء في مجال الدفاع الجوي أو الطائرات المقاتلة أو التكنولوجيا العسكرية الحديثة. وقد شملت هذه التحديثات إدخال معدات متطورة وأنظمة دفاعية حديثة، إضافة إلى تطوير القدرات الاستخباراتية والعسكرية.
لكن اللافت في التجربة المغربية أن هذه القوة العسكرية لم تتحول إلى أداة للهيمنة أو الحرب، بل ظلت في إطار عقيدة دفاعية واضحة تقوم على حماية السيادة الوطنية وضمان الاستقرار الإقليمي.
فالجيش المغربي، الذي يعد من بين أقوى الجيوش في إفريقيا، يعتمد اليوم بشكل متزايد على التكنولوجيا العسكرية الحديثة والأنظمة الذكية في مجالات المراقبة والأمن والاستطلاع. وهو ما جعل بعض الخبراء يصفونه بـ”الجيش الذكي”، القادر على مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة دون الانجرار إلى حروب تقليدية.
هذه المقاربة العسكرية تعكس فلسفة سياسية واضحة لدى المغرب: امتلاك القوة من أجل حماية السلام، وليس خوض الحروب.
التوتر مع الجزائر ومناوشات البوليساريو
رغم هذا النهج السلمي، لم يكن المغرب بمنأى عن التوترات الإقليمية، خصوصًا مع الجزائر التي تعيش معها المملكة توترًا سياسيًا منذ سنوات بسبب قضية الصحراء المغربية. كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة بعض المناوشات المحدودة التي تقوم بها ميليشيات البوليساريو في المناطق العازلة شرق الجدار الأمني.
غير أن المغرب تعامل مع هذه التحديات بمنطق ضبط النفس، مفضلًا المعالجة الدبلوماسية للنزاع بدل التصعيد العسكري. فالمملكة ظلت تؤكد في مختلف المحافل الدولية أن حل قضية الصحراء يجب أن يتم في إطار الأمم المتحدة وبالاعتماد على مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 كحل سياسي واقعي.
وقد أظهرت التطورات الدبلوماسية الأخيرة أن هذا النهج بدأ يحقق نتائج ملموسة على الساحة الدولية.
انتصار دبلوماسي في مجلس الأمن
في 31 أكتوبر الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي قرارًا جديدًا حول قضية الصحراء المغربية، اعتبر فيه أن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب تشكل أساسًا جديًا وواقعيًا للتوصل إلى حل سياسي دائم للنزاع. وقد حظي القرار بدعم واسع داخل المجلس، حيث صوتت 11 دولة لصالحه دون أي معارضة، فيما امتنعت ثلاث دول فقط عن التصويت.
ويعد هذا القرار تطورًا مهمًا في مسار النزاع، لأنه يعكس التحول المتزايد في المواقف الدولية لصالح المقترح المغربي، الذي بات يحظى بدعم عدد متزايد من الدول الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية. كما يشير القرار إلى أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر واقعية لإنهاء النزاع الممتد منذ عقود.
وقد اعتبر المغرب هذا القرار خطوة مهمة نحو تثبيت مغربية الصحراء وتعزيز الشرعية الدولية لمقترحه السياسي.
الدبلوماسية المغربية… سياسة التوازن
أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية المغربية في عهد الملك محمد السادس هو نهج التوازن في العلاقات الدولية. فالمغرب لا يصطف بشكل مطلق مع أي محور دولي، بل يعتمد سياسة الانفتاح على الجميع.
هذه السياسة جعلت المملكة تحافظ على علاقات قوية مع أوروبا والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تطور شراكات اقتصادية واستراتيجية مع إفريقيا وآسيا والعالم العربي.
ويقوم هذا النهج على ما يمكن تسميته بسياسة “رابح – رابح”، حيث يسعى المغرب إلى بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة بدل الصراعات السياسية. وقد انعكس ذلك في عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية والشراكات الدولية التي جعلت المغرب أحد أهم المراكز الاقتصادية في إفريقيا.
المغرب وسياسة الوساطة الدولية
لم يكتف المغرب بالحفاظ على استقراره الداخلي، بل لعب أيضًا أدوارًا مهمة في الوساطة الدبلوماسية بين عدد من الدول. فالمملكة تتمتع بسمعة دولية كبلد قادر على جمع الفرقاء وإيجاد أرضية للحوار.
وقد استضاف المغرب في أكثر من مناسبة مفاوضات سياسية بين أطراف متنازعة، كما لعب دورًا مهمًا في دعم الاستقرار في القارة الإفريقية ومنطقة الساحل و الشرق الأوسط.
هذه السياسة جعلت الرباط تحظى باحترام واسع داخل المنتظم الدولي، حيث ينظر إلى المغرب كشريك موثوق في قضايا الأمن والاستقرار.
مطارات المغرب ملاذ للطائرات المدنية
وفي خضم التوترات التي تعرفها بعض مناطق العالم، خاصة في الشرق الأوسط والخليج، تحولت المطارات المغربية في أكثر من مناسبة إلى وجهة آمنة للطائرات المدنية التي تبحث عن مسارات بديلة بعيدًا عن مناطق الصراع.
فالمغرب، بفضل موقعه الجغرافي واستقراره السياسي، أصبح نقطة عبور آمنة في حركة الملاحة الجوية الدولية، وهو ما يعكس الثقة التي تحظى بها المملكة لدى المجتمع الدولي.
هذا الدور يعكس أيضًا صورة المغرب كبلد للسلام، بلد يختاره العالم كمنطقة آمنة في زمن الأزمات.
ملكية إصلاحية تقود الاستقرار
لا يمكن فهم الاستقرار المغربي دون التوقف عند دور المؤسسة الملكية في قيادة الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ففي عهد الملك محمد السادس، شهد المغرب سلسلة من الإصلاحات الكبرى شملت تحديث البنية التحتية، وتعزيز التنمية الاقتصادية، وإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقة والصناعة والنقل.
كما عزز المغرب حضوره الإفريقي من خلال سياسة الانفتاح على القارة، حيث أصبحت الشركات المغربية من أبرز المستثمرين في عدد من الدول الإفريقية.
هذه الدينامية الاقتصادية ساهمت في تعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة.
المغرب… نموذج الدولة المستقرة
اليوم، وفي ظل عالم يزداد اضطرابًا، يبرز المغرب كنموذج لدولة نجحت في تحقيق معادلة صعبة: بناء قوة عسكرية متطورة دون الانجرار إلى الحروب، وتعزيز مكانتها الدولية دون الدخول في صراعات إقليمية.
إنها سياسة تقوم على الحكمة والواقعية السياسية، وعلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى يقودها الملك محمد السادس، الذي اختار أن يجعل من المغرب بلد السلام والاستقرار في منطقة تعيش على وقع التوترات.
وبينما تتغير خريطة العالم بسرعة، يبدو أن المغرب نجح في ترسيخ مكانته كقوة إقليمية هادئة، تعتمد الدبلوماسية بدل الصدام، والشراكة بدل المواجهة.






