سبتة ومليلية.. أكثر من خمسة قرون من الاحتلال والنزاع التاريخي الذي ما زال يؤجل استكمال الوحدة الترابية للمغرب

أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها نقط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ملف الثغرين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما تحولت الأزمة إلى مناسبة لاستحضار واحد من أقدم النزاعات الإقليمية في غرب البحر الأبيض المتوسط. وبينما انشغل الإعلام الإسباني بالحديث عن تداعيات محاولات العبور الجماعي والهجرة غير النظامية، عادت أصوات سياسية وأكاديمية إلى استحضار المطالب المغربية التاريخية باسترجاع المدينتين، في وقت سلطت فيه وسائل إعلام دولية الضوء على استمرار وجود مدينتين خاضعتين للإدارة الإسبانية فوق التراب الإفريقي منذ قرون.
وتعود جذور القضية إلى بداية القرن الخامس عشر، حين تمكنت البرتغال في 21 غشت سنة 1415 من احتلال مدينة سبتة، مستغلة الظروف السياسية التي عرفتها الدولة المرينية آنذاك، لتجعل من المدينة أول موطئ قدم أوروبي دائم خارج القارة الأوروبية، وبداية مرحلة التوسع البرتغالي نحو إفريقيا وآسيا. ولم تكن سبتة مجرد مدينة ساحلية، بل كانت مركزا تجاريا واستراتيجيا يتحكم في طرق التجارة بين إفريقيا وأوروبا وعند مدخل البحر الأبيض المتوسط.
ورغم احتلالها، لم يتوقف المغاربة عن محاولة استعادة المدينة، بينما واصلت البرتغال توسعها باحتلال القصر الصغير سنة 1458 ثم طنجة وأصيلة سنة 1471، في إطار مشروع عسكري وتجاري هدف إلى فرض السيطرة على السواحل المغربية ومراقبة مضيق جبل طارق.
وشكل سقوط غرناطة سنة 1492 نهاية الوجود الإسلامي في الأندلس وبداية مرحلة جديدة من التوسع الإسباني نحو شمال إفريقيا، حيث اتجهت مملكة قشتالة إلى إقامة قواعد عسكرية على الساحل المغربي، قبل أن تتمكن سنة 1497 من احتلال مدينة مليلية، التي ظلت منذ ذلك التاريخ تحت الإدارة الإسبانية دون انقطاع، بخلاف سبتة التي كانت خاضعة في البداية للبرتغال.
وفي الوقت نفسه، واصلت البرتغال بسط نفوذها على الساحل الأطلسي للمغرب، فاحتلت عددا من الموانئ من بينها آسفي وأزمور ومازاغان، وأنشأت حصونا قرب أكادير والصويرة، غير أن صعود الدولة السعدية قلب موازين القوى، إذ تمكن المغاربة من استعادة عدد من المواقع الاستراتيجية، قبل أن تشكل معركة وادي المخازن سنة 1578 نقطة تحول حاسمة في تاريخ المنطقة، بعدما مُني الجيش البرتغالي بهزيمة قاسية أدت إلى مقتل الملك سبستيان، ودخول البرتغال في أزمة سياسية انتهت باندماجها مع التاج الإسباني سنة 1580 فيما عرف بالاتحاد الإيبيري.
ومع استعادة البرتغال استقلالها سنة 1640، اختارت سلطات سبتة البقاء تحت التاج الإسباني، قبل أن تعترف معاهدة لشبونة سنة 1668 رسميا بانتقال المدينة إلى السيادة الإسبانية، في اتفاق جرى بين دولتين أوروبيتين دون مشاركة المغرب، وهو ما يعتبره عدد من الباحثين أحد أبرز الأسس التي يستند إليها المغرب في التشكيك في مشروعية هذا الانتقال.
وخلال القرون اللاحقة، لم تتوقف محاولات السلاطين المغاربة لاسترجاع المدينتين، حيث شهدت سبتة حصارا طويلا في عهد السلطان مولاي إسماعيل بين سنتي 1694 و1727، كما فرض السلطان محمد بن عبد الله حصارا على مليلية سنتي 1774 و1775، غير أن الدعم العسكري الإسباني حال دون استعادة المدينتين.
وشهد القرن التاسع عشر محطة مفصلية أخرى بعد اندلاع الحرب المغربية الإسبانية سنة 1859، والتي انتهت بتوقيع معاهدة واد راس سنة 1860، حيث توسعت الحدود المحيطة بسبتة، ورسخت إسبانيا نفوذها في عدد من المناطق الساحلية، قبل أن يفرض نظام الحماية سنة 1912، الذي جعل شمال المغرب تحت الإدارة الإسبانية، مع استمرار اعتبار مدريد سبتة ومليلية جزءا من أراضيها وليس من منطقة الحماية.
وعقب استقلال المغرب سنة 1956، تمكنت المملكة من استرجاع عدد من المناطق الخاضعة للاستعمار، من بينها طرفاية سنة 1958 وسيدي إفني سنة 1969، غير أن إسبانيا احتفظت بسبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة الواقعة قبالة الساحل المغربي.
ومنذ سنة 1960، بدأ المغرب يطرح رسميا قضية المدينتين داخل الأمم المتحدة، معتبرا إياهما جزءا من ملف استكمال الوحدة الترابية، بينما تمسكت إسبانيا بموقفها القائل إن المدينتين تشكلان جزءا من أراضيها الوطنية ولا تدخلان ضمن قضايا تصفية الاستعمار. ورغم استمرار هذا السجال داخل أروقة الأمم المتحدة، فإن المنظمة الأممية لم تدرج سبتة ومليلية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بخلاف الصحراء التي أدرجت ضمن هذه القائمة سنة 1963.
وخلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ظل المغرب متمسكا بمطلب استرجاع المدينتين، مع إعطاء الأولوية في تلك المرحلة لقضية الصحراء المغربية، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة في مناسبات عديدة، أبرزها أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، ثم الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني خوان كارلوس إلى سبتة ومليلية سنة 2007، والتي قوبلت برفض رسمي من المغرب.
وتواصل إسبانيا اليوم التشبث بسيادتها على المدينتين، مستندة إلى قرون من الإدارة المتواصلة وإلى تشريعاتها الداخلية، في حين يؤكد المغرب أن سبتة ومليلية والجزر المجاورة تشكل جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني، وأن استرجاعها يندرج ضمن مسار استكمال الوحدة الترابية وإنهاء آخر مظاهر الوجود الاستعماري بشمال المملكة.
وبين الروايتين المغربية والإسبانية، يظل ملف سبتة ومليلية أحد أعقد الملفات التاريخية والسياسية في المنطقة، إذ يمتد لأكثر من خمسة قرون من الاحتلال والحروب والمعاهدات والنزاعات الدبلوماسية، دون أن يجد طريقه إلى تسوية نهائية، رغم ما تعرفه العلاقات المغربية الإسبانية من تعاون متزايد في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد. ويبقى هذا الملف حاضرا في الذاكرة الوطنية المغربية باعتباره قضية سيادية مؤجلة، ترتبط بتاريخ طويل من المقاومة والدفاع عن وحدة التراب الوطني، وتستمر في فرض نفسها كلما شهدت المنطقة توترات أو تحولات سياسية تعيد النقاش حول مستقبل آخر الثغور المحتلة في شمال إفريقيا.






