تمويل أجنبي أم أجندة خفية؟ الجمعيات المغربية بين شعار “المنفعة العامة” وحسابات الدعم المشبوه!

في وقت تتحدث فيه الحكومة عن الشفافية والرقابة، تكشف الأرقام الرسمية أن 241 جمعية مغربية تلقت دعماً أجنبياً بلغ 580 مليون درهم سنة 2025، بعد أن تجاوز هذا الرقم 765 مليون درهم في السنة الماضية. ورغم التراجع النسبي في حجم التمويلات، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بالمبلغ، بل بمنطق التمويل نفسه، وبالأجندة التي تتحرك في الظل خلف لافتات “العمل المدني” و“حقوق الإنسان” و“تمكين المرأة”.
فمنذ سنوات، تحولت بعض الجمعيات من فضاءات تطوعية إلى منصات وظيفية تخدم أجندات سياسية وثقافية مستوردة، تُغلف بشعارات براقة لكنها تستهدف تفكيك البنية المجتمعية المغربية وإعادة صياغة منظومة القيم المحلية وفق تصورات غريبة عن السياق الوطني. والمفارقة أن هذه الجمعيات التي تتلقى دعماً خارجياً لا تتوفر، في الغالب، على تقارير مالية مفصلة أو بيانات دقيقة حول كيفية صرف الأموال أو الجهات المستفيدة منها.
الأمين العام للحكومة، محمد الحجوي، كشف في عرضه الأخير أمام البرلمان أن مصالحه توصلت بـ846 تصريحاً من الجمعيات التي تلقت الدعم الأجنبي، في حين تستعد الأمانة العامة لمراجعة الإطار القانوني المتعلق بصفة المنفعة العامة، وإطلاق منظومة معلوماتية جديدة لتتبع ملفات الجمعيات ومساعداتها. وهي خطوة طال انتظارها، لأن الإطار القانوني الحالي يسمح بقدر من الغموض والالتباس في العلاقة بين الجمعيات ومموليها الأجانب.
لكن المشكلة ليست فقط في النصوص القانونية، بل في غياب إرادة صارمة لتطهير الحقل الجمعوي من الانتهازية والتوظيف السياسي. فالكثير من الجمعيات، التي يُفترض أن تشتغل في الميدان التنموي أو الاجتماعي، تحولت إلى أدوات ضغط تمارس السياسة بلبوس إنساني، وتدافع عن أجندات تتقاطع بشكل لافت مع مصالح جهات خارجية.
ورغم أن المغرب لا يمنع الدعم الأجنبي قانونياً، إلا أن الهاجس الوطني يفرض أن يخضع هذا الدعم لمراقبة صارمة، وأن يُشهر كل درهم مصدره ووجهته. لأن التجربة أثبتت أن بعض الجهات المانحة لا تتحرك بدافع الإحسان أو التضامن، بل تسعى لزرع ثقافة محددة، أو لتأثير سياسي ناعم يُضعف القرار الوطني المستقل.
اللافت أن عدد الجمعيات التي حصلت على صفة المنفعة العامة لا يتجاوز 257 جمعية فقط من بين عشرات الآلاف المسجلة في المغرب، وهو رقم يكشف مدى هشاشة الإطار المؤسساتي للجمعيات، وغياب التقييم الجدي لأدائها. فصفة “المنفعة العامة” ليست وساماً شرفياً، بل اعتراف قانوني يفترض الالتزام بالشفافية والمحاسبة، غير أن منح هذه الصفة ظلّ محكوماً في حالات كثيرة بـ“المحاباة” و“الولاءات” أكثر مما هو قائم على معايير موضوعية.
ورغم الجهود الحكومية في بناء منظومة معلوماتية لتدبير ملفات الجمعيات، فإن الواقع الميداني يُظهر شبكة من المصالح المتشابكة بين جمعيات “تقتات من الدعم الخارجي” وأخرى تحاول أن تبقى على قيد الحياة عبر الريع المحلي والمساعدات الانتقائية. وهو ما يُفقد المجتمع المدني استقلاليته الحقيقية، ويحوله في بعض الأحيان إلى مجرد واجهة لتبرير السياسات أو لاستثمار الخطاب الحقوقي لأغراض تمويلية.
الخطير في المشهد الجمعوي المغربي اليوم هو أن التمويل الأجنبي بات مدخلاً لتأثير ثقافي وأيديولوجي أكثر منه مساهمة تنموية. فمن الجمعيات التي تشتغل على “الحريات الفردية” إلى تلك التي ترفع شعار “المساواة في الإرث” أو “إلغاء عقوبة الإعدام”، تبدو بعض الملفات المنفصلة عن الأولويات الوطنية وكأنها تُدار بتوجيه خارجي أكثر مما تنبع من الواقع المغربي.
لهذا فإن مراجعة الإطار القانوني وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها مراجعة سياسية وثقافية شاملة لوظيفة المجتمع المدني: هل هو فاعل وطني يخدم التنمية، أم وسيط تمويلي يسعى لتلميع صور مموليه؟
فمن العبث أن تظل بعض الجمعيات تشتغل بحرية بأموال أجنبية دون أي تقارير محاسبية منشورة، فيما تُغلق جمعيات أخرى أبوابها لأنها لم تجد دعماً محلياً يغطي حتى كراء مقراتها!
لقد آن الأوان لوضع قانون صارم للتمويل الخارجي يفرض الشفافية المطلقة في الحسابات البنكية والتقارير السنوية، مع تفعيل المراقبة الميدانية وليس فقط الورقية. فالمجتمع المدني الحقيقي لا يخشى المراقبة، ولا يعيش على المعونات، بل يبني استقلاله من ثقة المواطنين، لا من هبات السفارات والمنظمات العابرة للقارات.
هل نحن أمام مجتمع مدني مغربي أم أمام “واجهة تمويلية” بأهداف مستوردة؟
السؤال يظل مفتوحاً، لكن المؤكد أن المال الأجنبي حين يتجاوز حدود الشفافية، يتحول من دعم إلى نفوذ… ومن تضامن إلى اختراق.






