تعليق مشاريع جامعية يثير الجدل: ماذا وراء تجميد 34 نواة جامعية بالمغرب؟

أثار التوقف المفاجئ لتنفيذ اتفاقيات شراكة تتعلق بإحداث حوالي 34 نواة جامعية جديدة بعدد من أقاليم المغرب موجة من التساؤلات والانتقادات في الأوساط المهتمة بقطاع التعليم العالي، خاصة أن هذه المشاريع كانت قد انطلقت باتفاق بين الوزارة الوصية وعدد من الجهات والجماعات، مع تعبئة العقارات المرصودة وتخصيص أغلفة مالية معتبرة لبعضها.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه إطلاق ورش موسع لتوسيع العرض الجامعي وتقريب التعليم العالي من الطلبة في المناطق النائية، تفاجأ الرأي العام بقرار تعليق هذه المشاريع مع بداية الولاية الحكومية الحالية، دون تقديم مبررات دقيقة أو توضيحات شفافة، رغم مرور حوالي ثلاث سنوات على بداية الولاية.
مشاريع مهيكلة علّقتها الحسابات السياسية؟
تعود هذه الاتفاقيات إلى مرحلة سابقة، حيث جرى توقيع شراكات متعددة بين الوزارة المعنية وعدد من المجالس الجهوية والإقليمية والمحلية، كان الهدف منها إحداث مؤسسات جامعية جديدة لتقليص الضغط على الجامعات الكبرى، وتوفير تعليم جامعي لآلاف الطلبة المنتمين إلى أقاليم مهمشة تعاني من ضعف العرض الجامعي.
بعض المشاريع التي تم تجميدها شملت أقاليم مثل تنغير، وزان، الخميسات، شيشاوة، سيدي قاسم، وآسا، وتم توفير العقارات الخاصة بها وتخصيص ميزانيات قاربت 800 مليون درهم بحسب المعطيات المتداولة، فضلاً عن إدراج بعض المؤسسات ضمن قانون المالية، ونشر قرارات إحداثها في الجريدة الرسمية.
احتجاجات برلمانية وصمت وزاري
منذ سنة 2023، بدأت تتقاطر على الوزارة الوصية أسئلة واستفسارات من قبل المنتخبين المحليين والبرلمانيين، تطالب بكشف مصير هذه المشاريع، غير أن الأجوبة بقيت فضفاضة أو غائبة، مما غذى الإحساس بوجود تراجع سياسي غير معلن عن تلك الالتزامات السابقة.
وتشير مصادر متطابقة إلى أن عدداً من هذه المشاريع حظيت بتغطية إعلامية واسعة عند توقيع الاتفاقيات، وبعضها تم التوقيع عليه أمام أنظار جلالة الملك، وهو ما يجعل قرار توقيفها دون تقييم واضح، مثار استغراب واسع في صفوف المتابعين.
أموال ضائعة وخرق لمبدأ الاستمرارية
الانتقادات الموجهة لهذا التراجع لا تقف فقط عند البعد التعليمي أو الاجتماعي، بل تتجاوزهما إلى الجانب القانوني والمؤسساتي، حيث يرى فاعلون في القطاع أن توقيف مشاريع تمت المصادقة عليها في قوانين مالية رسمية، وصدرت قرارات إحداثها في الجريدة الرسمية، يمثل ضرباً لمبدأ استمرارية المرفق العام، وتجاوزاً غير مبرر لمنطق الدولة والمؤسسات.
كما أن الغموض الذي يلف ما يُسمى بـ”المخطط المديري” الذي قيل إنه في طور الإعداد، دون الإعلان عن مضمونه أو آجاله، يزيد من حالة الغموض ويفتح الباب أمام تأويلات متعددة حول خلفيات التعليق.
تداعيات على الطلبة والمجال الترابي
الفراغ الناتج عن غياب هذه المؤسسات الجامعية ينعكس سلباً على آلاف الطلبة، الذين يُجبرون على التنقل لمسافات طويلة لمتابعة دراستهم، أو الانقطاع عنها نهائياً، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة اقتصادية واجتماعية.
كما أن ضياع العقارات المخصصة أو إعادة توجيهها بعد تجميد المشاريع، يمثل خسارة مزدوجة، مادياً وتنموياً، ويثير تساؤلات حول غياب رؤية استباقية وشاملة في تدبير السياسة الجامعية الوطنية.
خلاصات ومطالب متجددة
أمام هذا الوضع، تتصاعد الدعوات من مختلف الجهات من أجل:
-
إعادة النظر في قرار التجميد بما يحترم الالتزامات السابقة ويستجيب لحاجيات التعليم العالي.
-
توضيح الرؤية الاستراتيجية للوزارة بشأن توزيع المؤسسات الجامعية مستقبلاً.
-
محاسبة الجهات التي تسببت في تعطيل مشاريع مهيكلة رُصدت لها ميزانيات ضخمة وجهود مؤسساتية متعددة.
-
تكريس مبدأ الاستمرارية الإدارية ومنع تغيير السياسات العمومية كلما تغير المسؤول.
يبقى السؤال العريض المطروح: هل تتحول هذه المشاريع المعطلة إلى أوراق انتخابية تُستعمل في اللحظات السياسية الحاسمة، أم أن الدولة ستتدارك التأخر وتعيد بعث ورش توسيع العرض الجامعي بالمغرب قبل فوات الأوان؟






