
في إطار التحضيرات المتسارعة لاستضافة التظاهرات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها نهائيات كأس العالم 2030 التي سينظمها المغرب بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، أطلقت الحكومة المغربية خطوة مؤسساتية جديدة تهدف إلى تحديث أساليب تدبير المنشآت الرياضية الكبرى، وذلك عبر إحداث خمس شركات مساهمة جهوية متخصصة في إدارة واستغلال البنيات التحتية الرياضية.
ويأتي هذا التحول في سياق رؤية استراتيجية تسعى إلى تعزيز الحكامة داخل القطاع الرياضي، وتحويل الملاعب الكبرى من مرافق عمومية تقليدية إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على خلق القيمة المضافة وضمان الاستدامة المالية.
خمس شركات جهوية لإدارة الملاعب الكبرى
وبحسب المعطيات الرسمية، فقد تم إحداث خمس شركات جهوية جديدة لتدبير المنشآت الرياضية في كبريات المدن المغربية، وهي:
Tanger Region Sport وCasa Region Sport وFes Region Sport وMarrakech Region Sport وAgadir Region Sport، وذلك في إطار قرارات نُشرت بالجريدة الرسمية نهاية فبراير 2026.
وستتكلف هذه الشركات بالإشراف على تدبير وتطوير الملاعب الكبرى والمجمعات الرياضية داخل هذه الجهات، خاصة تلك المرشحة لاحتضان مباريات ضمن مونديال 2030، بما يضمن احترام المعايير الدولية المتعلقة بالجودة والسلامة والخدمات.
كما أن هذه الشركات ستعمل وفق نموذج الشركات المساهمة المنصوص عليه في القانون التجاري المغربي، ما يتيح اعتماد مجالس إدارة احترافية وآليات تدبير حديثة قائمة على التخطيط المالي والنجاعة الاقتصادية.
شراكة مؤسساتية متعددة الأطراف
وتعتمد هذه الشركات على هيكلة مالية ومؤسساتية تجمع عدة فاعلين، حيث تمتلك الدولة، ممثلة في وزارة الاقتصاد والمالية، الحصة الأكبر من رأسمالها بنسبة 50 في المائة، بينما تساهم المجالس الجهوية بنسبة 22.5 في المائة، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بنسبة 17.5 في المائة، في حين تعود نسبة 10 في المائة للجماعات الترابية المعنية.
ويهدف هذا النموذج التشاركي إلى جمع مختلف الفاعلين المؤسساتيين في إطار حكامة موحدة تضمن التنسيق بين الدولة والجهات والسلطات المحلية، مع الحفاظ على الإشراف الاستراتيجي للدولة على هذه المنشآت الوطنية.
نهاية التدبير التقليدي للملاعب
ويشكل هذا التوجه أيضاً بداية انتقال تدريجي من نمط التدبير المركزي الذي كانت تشرف عليه الشركة الوطنية لإنجاز وتدبير المنشآت الرياضية، نحو نموذج لامركزي يمنح الجهات دوراً أكبر في إدارة البنيات الرياضية الكبرى.
ويرى خبراء في السياسات الرياضية أن هذا التحول يعكس رغبة المغرب في تجاوز الأساليب الإدارية التقليدية في تدبير الملاعب، وتعويضها بمنظومة تعتمد الاحترافية والمرونة الاقتصادية، بما يتماشى مع متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.
ملاعب تتحول إلى مراكز اقتصادية
ولن يقتصر دور هذه الشركات على الصيانة التقنية أو الإدارة اليومية للملاعب، بل سيمتد إلى تطوير نموذج اقتصادي متكامل قائم على تنويع مصادر الدخل.
وفي هذا الإطار، ستعمل هذه المؤسسات على تطوير منظومة رقمية لبيع التذاكر، وتثمين الحقوق الإشهارية، واستغلال الفضاءات التجارية داخل المجمعات الرياضية، إضافة إلى تنظيم التظاهرات الثقافية والفنية والرياضية الكبرى.
كما سيتم تأجير المرافق التابعة للملاعب، مثل القاعات متعددة الاستعمالات والمناطق التجارية والمطاعم، بما يساهم في تحويل هذه المنشآت إلى مراكز اقتصادية متعددة الوظائف وليس مجرد فضاءات للمباريات الرياضية.
جزء من رؤية وطنية أشمل
وتندرج هذه الإصلاحات في إطار استراتيجية وطنية أوسع لتطوير البنيات التحتية الرياضية واللوجستية بالمغرب، والتي تشمل أيضاً مشاريع ضخمة في مجالات النقل الجوي والسككي والطرق السياحية استعداداً لمونديال 2030.
وتؤكد التقارير الدولية أن المغرب استثمر مليارات الدراهم في تحديث الملاعب والفنادق والبنيات التحتية المرتبطة بالنقل واللوجستيك، بهدف ضمان تنظيم تظاهرات رياضية عالمية بمعايير عالية.
كما أن هذه المشاريع ترتبط برؤية تنموية بعيدة المدى تسعى إلى جعل الرياضة رافعة اقتصادية وثقافية وسياحية قادرة على تعزيز إشعاع المغرب دولياً.
نحو احترافية أكبر في تدبير الرياضة
ويرى متابعون أن إحداث هذه الشركات الجهوية يمثل خطوة نوعية في مسار تحديث الحكامة الرياضية بالمغرب، حيث سيتيح اعتماد تقنيات تدبير احترافية وتطوير مقاربات جديدة لاستغلال الملاعب والمنشآت الكبرى.
ومن المرتقب أن تشكل هذه الشركات قاطرة حقيقية لإرساء نموذج تدبيري جديد يواكب التحولات التي يعرفها القطاع الرياضي عالمياً، ويضمن جاهزية المغرب لتنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، مع ترك إرث تنموي مستدام للأجيال القادمة.






