المغرب في مواجهة طوفان الطبيعة: توجيهات ملكية تُعبّئ الدولة والجيش ينزل بثقله لإنقاذ المحاصرين

يواجه المغرب منذ أيام واحدة من أعنف موجات الفيضانات خلال السنوات الأخيرة، بعد تساقطات مطرية استثنائية رفعت منسوب الأنهار والأودية إلى مستويات غير مسبوقة، ودفعت عدداً من السدود إلى تجاوز طاقتها الاستيعابية، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة بعض المناطق، لكنه في المقابل كشف عن جاهزية الدولة المغربية بكل مكوناتها تحت توجيهات ملكية واضحة وحازمة.
منذ الساعات الأولى لتصاعد الخطر، صدرت توجيهات جلالة الملك محمد السادس بضرورة حماية الأرواح قبل كل شيء، وتسخير كافة الإمكانيات المدنية والعسكرية، دون تردد أو تأخير، وهو ما تُرجم ميدانياً باستنفار غير مسبوق شمل الجيش، وحدات الهندسة العسكرية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، القوات المساعدة، الوقاية المدنية، والسلطات المحلية، بتنسيق محكم مع لجنة اليقظة الوطنية التي تتابع الوضع لحظة بلحظة.
القصر الكبير.. نهر اللوكوس يفيض والدولة تتحرك
في القصر الكبير، بلغ الوضع ذروته بعد أن غمرت مياه نهر اللوكوس أحياء ومناطق واسعة، متأثرة بارتفاع صبيب المياه القادمة من سد وادي المخازن الذي تجاوزت حقينته 157 في المائة، ما فرض تصريفاً إجبارياً ومنظماً لتفادي أي خطر بنيوي على السد.
السلطات، وبتعليمات مركزية، أطلقت عمليات إجلاء واسعة مكن من إفراغ المدينة، بينما حلّقت المروحيات العسكرية ومروحيات الدرك الملكي لإيصال المؤن والتغذية للمحاصرين الذين تعذر الوصول إليهم براً.
سيدي سليمان، سيدي قاسم، القنيطرة.. الغرب تحت ضغط المياه
بمناطق سيدي سليمان وسيدي قاسم والقنيطرة، فرض فيضان الأودية المرتبطة بحوض سبو واقعاً صعباً، حيث غُمرت مساحات فلاحية شاسعة، وعُزلت دواوير بالكامل، ما استدعى وحدات الهندسة العسكرية حيث تدخلت الزوارق المطاطية العسكرية السريعة وسط الحقول والأحياء المغمورة، لاختراق المياه العميقة وإنقاذ مواطنين حاصرتهم السيول داخل منازلهم سخرت آليات ثقيلة لفتح المسالك، وبناء ممرات مؤقتة، وتأمين وصول فرق الإنقاذ.
الدرك الملكي والقوات المساعدة انتشروا لتأمين المحاور، بينما تولت الوقاية المدنية عمليات الإغاثة، ونُقلت عشرات الأسر إلى مراكز إيواء مجهزة وفرتها السلطات، تشمل التغذية، الأغطية، والرعاية الصحية، في إطار مقاربة إنسانية تحترم كرامة المتضررين.
تاونات وتازة.. إرتفاع منسوب الوديان و إطلاق حقينة سد إدريس الأول يعقّد الوضع
في إقليمي تاونات وتازة، زادت الأوضاع تعقيداً بعد إرتفاع منسوب وديان بتازة و خاصة واد الأربعاء و المالح،و بتاونات واد اللبن وواد الجمعة مع إطلاق حقينة سد إدريس الأول لأول مرة، ما تسبب في فيضانات على مستوى عدة أودية، وقطع طرق وطنية وقروية، خاصة بمحاور استراتيجية.
لجان اليقظة المحلية، تحت إشراف عمال الأقاليم، ظلت في الميدان ليلاً ونهاراً، وتم تسخير جرافات، شاحنات عسكرية، وزوارق إنقاذ لانتشال عالقين، وإجلاء أسر تقطن منازل طينية انهارت أو كانت آيلة للسقوط، في سباق حقيقي مع الزمن.
شفشاون، تطوان، طنجة.. الشمال في حالة استنفار دائم
في شفشاون وتطوان وطنجة، لم تكن الفيضانات أقل وطأة، حيث أدت السيول إلى انهيارات وانجرافات، وقطعت محاور طرقية جبلية حساسة، ما دفع السلطات إلى تعليق الدراسة ببعض المناطق واتخاذ إجراءات وقائية صارمة.
القوات العمومية عززت حضورها، بينما ظلت فرق الغوص التابعة للوقاية المدنية في وضع استعداد، تحسباً لأي طارئ، مع مراقبة دقيقة لمجاري الأودية بعد ان شهدت هذه المنطقة مصرع عائلة غرقا بعد أن جرفت الفياضانات سيارتهم.
السدود تحت المجهر.. إدارة الخطر لا صناعته
إلى جانب سد وادي المخازن وسد إدريس الأول، يخضع سد الوحدة لمراقبة دقيقة، في ظل ارتفاع منسوب المياه وتأثيرها المباشر على منطقة الغرب، حيث يتم تصريف المياه بشكل مدروس لتفادي سيناريوهات كارثية، في توازن دقيق بين حماية السدود وتقليص آثار الفيضانات في المصبّات.
دولة في امتحان الطبيعة
ما يعيشه المغرب اليوم ليس مجرد تساقطات مطرية، بل امتحان حقيقي لقدرة الدولة على إدارة الكوارث. وبينما كشفت الفيضانات عن اختلالات بنيوية وهشاشة عمرانية، فإنها أبرزت في المقابل قوة التدخل العمومي عندما تتوحّد القيادة والقرار.
إن التنزيل الميداني للتوجيهات الملكية، وتسخير العتاد العسكري، من زوارق، مروحيات، آليات هندسية ثقيلة، يؤكد أن الدولة اختارت منطق الاستباق والإنقاذ بدل الانتظار، في وقت تتواصل فيه الجهود على مدار الساعة، والسلطات تقضي ليالي بيضاء لتأمين المواطنين وحماية الأرواح.
وفي مشهد يعكس حجم التعبئة الوطنية، جرى تحريك أسطول من المروحيات العسكرية ومروحيات الدرك الملكي لتنفيذ طلعات جوية متواصلة، خُصصت لإيصال المساعدات الغذائية والمواد الأساسية إلى المنازل والدواوير التي حاصرتها مياه الفيضانات من كل الجهات، بعد أن أصبح الوصول البري إليها مستحيلاً. هذه التدخلات الجوية مكنت من إنقاذ أسر ظلت محاصرة لساعات، وأمنت تزويدها بالمؤن الضرورية في انتظار استكمال عمليات الإجلاء.
وبالتوازي مع ذلك، تم تسخير مختلف العتاد اللوجستي والعسكري، من شاحنات ثقيلة، وجرافات، وزوارق مطاطية سريعة، لإجلاء المواطنين من المناطق المنخفضة والمهددة، ونقلهم بشكل آمن نحو مناطق مرتفعة ومخيمات إيواء مؤقتة أُعدت على عجل، ومجهزة بمستلزمات الإقامة والتغذية والرعاية الصحية، إلى حين هدوء العاصفة وتراجع منسوب المياه.
كما واصلت السلطات المحلية، مدعومة بالقوات العمومية والوقاية المدنية، عمليات إخلاء استباقية للمنازل المهددة بالانهيار، خصوصاً المبنية من الطين أو المتواجدة قرب مجاري الأودية، تفادياً لأي خسائر بشرية، في وقت تدخلت فيه فرق الإنقاذ لإغاثة ساكنة باغتتها السيول داخل مساكنها، عبر اقتحام المياه وإنقاذ المحاصرين في ظروف مناخية بالغة الصعوبة.
الفيضانات لم تنتهِ بعد، لكن الرسالة واضحة: الدولة حاضرة، والجهود متواصلة، واليقظة مستمرة إلى أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها.






