سياسة

الأصالة والمعاصرة يدخل معركة 2026 من بوابة فاس–مكناس: تجديد الثقة في بلمقدم بمولاي يعقوب يعكس رهانات “البام” على القوة الميدانية والامتداد الشعبي

في خطوة سياسية تحمل الكثير من الدلالات التنظيمية والانتخابية، عقد المكتب السياسي لحزب حزب الأصالة والمعاصرة مساء اليوم الأحد (19 أبريل 2026)، اجتماعاً موسعاً بمدينة مكناس، بحضور أعضاء اللجنة الوطنية للترشيحات وتتبع الانتخابات التشريعية، وبمشاركة وازنة لقيادات الحزب، من ضمنها المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية ووزير الشباب والثقافة والتواصل، إلى جانب القيادي العربي المحرشي. هذا اللقاء لم يكن مجرد محطة تنظيمية عادية، بل شكل لحظة مفصلية أعلن خلالها الحزب رسمياً عن مرشحيه الأحد عشر الذين سيخوضون غمار الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026 على مستوى جهة فاس مكناس.

الاجتماع، الذي اتسم بطابع تعبوي واضح، كشف عن توجه استراتيجي لدى “البام” يقوم على المزج بين الاستمرارية والتجديد؛ إذ حافظ الحزب على عدد من الوجوه السياسية التي راكمت تجربة انتخابية وتنظيمية، مقابل استقطاب أسماء جديدة التحقت حديثاً بالحزب وتمت تزكيتها لأول مرة لخوض الانتخابات تحت رمز “الجرار”. ويعكس هذا التوجه رغبة القيادة في تعزيز الحضور الميداني وتوسيع القاعدة الانتخابية، خاصة في جهة تعتبر من أكثر الجهات دينامية وتعقيداً من حيث الخريطة السياسية.

حسن بلمقدم… رهان الاستمرارية وقوة الامتداد المحلي

ضمن هذا السياق، برز اسم حسن بلمقدم كأحد أبرز الأسماء التي حظيت بإجماع المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات، حيث تمت إعادة تزكيته وكيلاً للائحة بدائرة إقليم مولاي يعقوب. هذا القرار لم يكن مفاجئاً للمتتبعين، بقدر ما يعكس قناعة داخل الحزب بوزن الرجل السياسي وقوته الانتخابية التي راكمها على مدى سنوات من العمل الميداني.

بلمقدم، الذي ينحدر من جماعة عين الشقف، استطاع أن يرسخ حضوره كأحد أبرز الفاعلين السياسيين بالإقليم، مستنداً إلى شبكة علاقات واسعة وارتباط مباشر بالساكنة المحلية. ويُسجل له متابعون حضوره الدائم في مختلف القضايا الاجتماعية، حيث ظل قريباً من هموم المواطنين، متدخلاً في عدد من الملفات الحساسة التي تتطلب توازناً بين العمل السياسي والتنسيق مع السلطات المحلية.

الأرقام بدورها تعزز هذا الحضور؛ ففي انتخابات شتنبر 2021، تمكن بلمقدم من تحقيق فوز كاسح بحصوله على ما يقارب 19 ألف صوت، متقدماً بفارق يزيد عن 7 آلاف صوت عن أقرب منافسيه، وهو ما يعكس قاعدة انتخابية صلبة يصعب اختراقها. هذا التفوق لم يكن ظرفياً، بل نتيجة تراكم عمل ميداني طويل، مكنه من الحفاظ على “قلاعه الانتخابية” بل وتوسيعها، من خلال استقطاب وجوه جديدة وإضافة جماعات ترابية إلى نفوذ الحزب، من بينها جماعة مولاي يعقوب التي شهدت في الآونة الأخيرة تحولات سياسية لافتة.

“إطفائي الأزمات” وصانع التوازنات المحلية

لا يُنظر إلى بلمقدم داخل الإقليم فقط كبرلماني، بل كفاعل سياسي واجتماعي يلعب أدواراً متعددة، حيث يوصف من قبل عدد من المتابعين بـ“إطفائي الحرائق الاجتماعية”، في إشارة إلى تدخله في عدد من النزاعات والملفات الاجتماعية المعقدة. هذا الدور، الذي يتجاوز الوظيفة التشريعية التقليدية، جعله يحظى بثقة شريحة واسعة من الساكنة التي ترى فيه “ابن المنطقة” القادر على نقل انشغالاتها إلى دوائر القرار.

كما أن انحداره من قبيلة السجع، وارتباطه بالنسيج الاجتماعي المحلي، ساهما في تعزيز صورته كفاعل قريب من المواطنين، وهو عامل حاسم في المعادلة الانتخابية بإقليم يغلب عليه الطابع القروي وشبه الحضري. ويُضاف إلى ذلك قدرته على التنسيق مع السلطات الإقليمية في معالجة عدد من الملفات ذات الطابع الاجتماعي، وهو ما يعكس براغماتية سياسية توازن بين المعارضة والتعاون المؤسساتي.

تزكية تعكس قراءة سياسية دقيقة

إعادة تزكية بلمقدم لم تأتِ فقط بناءً على نتائجه الانتخابية، بل أيضاً استناداً إلى تقييم شامل لمساره داخل الحزب. فهو يُعد من المؤسسين الأوائل لحزب الأصالة والمعاصرة، وظل وفياً له في مختلف المراحل، رغم ما تعرض له من محاولات سياسية استهدفت إضعافه أو إبعاده عن المشهد. غير أن قوة قاعدته الانتخابية، والدعم الذي يحظى به من طرف الساكنة، مكناه من تجاوز تلك التحديات وتعزيز موقعه داخل الحزب.

اللجنة الوطنية للانتخابات، وبعد دراسة ملفه، خلصت إلى أنه يمثل أحد أعمدة الحزب بالجهة، نظراً لقدرته على الحفاظ على التوازنات المحلية واستقطاب كفاءات جديدة، وهو ما ينسجم مع الرؤية العامة للحزب التي تراهن على الأعيان ذوي الامتداد الشعبي، إلى جانب الكفاءات الشابة.

جهة فاس–مكناس… ساحة تنافس مفتوحة

إعلان لائحة المرشحين من طرف “البام” يؤشر على انطلاق مبكر للحملة الانتخابية، ويضع باقي الأحزاب أمام تحدي تسريع وتيرة استعداداتها. فجهة فاس–مكناس، بما تحمله من ثقل ديمغرافي وتنوع جغرافي، تعد من أكثر الجهات تنافسية، حيث تتقاطع فيها رهانات الأحزاب الكبرى، وتلعب فيها العوامل المحلية دوراً حاسماً في تحديد النتائج.

في هذا السياق، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة اختار الرهان على “الجاهزية الميدانية” بدل الاكتفاء بالشعارات، من خلال الدفع بمرشحين يمتلكون حضوراً فعلياً داخل دوائرهم، وقادرين على خوض معركة انتخابية شرسة. ويأتي بلمقدم في مقدمة هذه الأسماء، باعتباره نموذجاً للفاعل السياسي الذي يجمع بين التجربة والامتداد الشعبي.

رهانات 2026… بين الثقة والمساءلة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تزداد حدة التنافس السياسي، وتتعاظم انتظارات المواطنين من ممثليهم. وفي هذا الإطار، سيكون على المرشحين، بمن فيهم بلمقدم، ليس فقط الحفاظ على قواعدهم الانتخابية، بل أيضاً تقديم حصيلة ملموسة وبرامج واقعية تستجيب لتحديات المرحلة، خاصة في ما يتعلق بالتنمية المحلية، والتشغيل، وتحسين الخدمات الأساسية.

كما أن استمرار تأجيل الحسم في اللائحة الجهوية الخاصة بالنساء يعكس وجود نقاشات داخلية حول التوازنات المطلوبة، وهو ما قد يؤثر على الصورة النهائية للعرض الانتخابي للحزب.

دخول حزب الأصالة والمعاصرة غمار المنافسة الانتخابية بجهة فاس–مكناس بهذا الزخم التنظيمي، وإعادة الثقة في أسماء وازنة مثل حسن بلمقدم، يعكس توجهاً واضحاً نحو تعزيز الحضور الميداني والاعتماد على “رأسمال الثقة” الذي راكمه بعض المرشحين. وبين دينامية التجديد ورهانات الاستمرارية، تبدو انتخابات شتنبر 2026 بالجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث لن يكون الحسم فقط بيد الأحزاب، بل أيضاً بيد الناخب الذي أصبح أكثر وعياً بوزن صوته، وأكثر تطلباً لنتائج ملموسة على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى