إحتجاجات قطاع الصحة قادمة: فضيحة ميزانية “وزارة الصحة” تهدد مركزية الأجور ومستقبل الوظيفة العمومية!

عاد الاحتقان ليتفجر في وجه أمين التهراوي وزير الصحة والحماية الاجتماعية، مجسدًا أزمة ثقة عميقة بين الإدارة ومهنيي القطاع. لم يكن الاحتجاج الأخير مجرد وقفة عابرة، بل كان إطلاقًا لشرارة غضب شامل رداً على ما اعتبرته الفعاليات النقابية محاولة “للتنصل المقنّع” من التزامات الدولة تجاه أهم كوادرها: الموظفين والأطر الصحية.
جاءت نقطة الاشتعال من صلب القبة التشريعية؛ فخلال عرض مشروع الميزانية الفرعية للوزارة لسنة 2026، تم إدراج أجور مهنيي الصحة ضمن باب “المعدات والنفقات”، بدلاً من فصل “نفقات الموظفين” المعتاد. هذا الإجراء لم يكن “خطأ مادياً” عابراً، بل هو في نظر النقابات والمحللين تطور خطير يهدد بشكل مباشر مكتسب “مركزية الأجور” ويضع وضعية الموظف العمومي على المحك.
- تجريد رمزي ومالي: إن تصنيف أجور الأطر كـ “معدات” يمثل إهانة رمزية لكرامة الموظف الذي يُفترض أنه حجر الزاوية في الإصلاح الصحي الشامل. والأخطر، أنه يفتح الباب أمام تفتيت مصدر الأجر وتحويله مستقبلاً إلى عبء على المجموعات الصحية الترابية (GTS) والوكالات المنشأة حديثًا، مما يمهد لـ “خوصصة” مستترة للوضع الوظيفي.
- غموض يُغذّي الريبة: تزامن هذا الإدراج مع التحول نحو إحداث المجموعات الصحية الترابية بموجب القانونين 08-22 و 09-22. هذا الإطار الجديد يثير مخاوف جوهرية بشأن مصير موظفي الدولة الذين سيُنقلون للعمل في كيانات ذات استقلال إداري ومالي، مما يهدد بتجريدهم من صفتهم كـ “موظفين عموميين” وتطبيق أنظمة تعويضات غير مركزية، على الرغم من تأكيدات الوزارة المستمرة بضمان الحقوق والمكتسبات.
لقد باتت تصرفات الوزير وموقفه من هذه الأزمة محط انتقاد لاذع، يكاد يرقى إلى مستوى “القصف السياسي”:
- بـيانات الترضية لا تُقنع: عندما انفجر الغضب، سارع الوزير إلى إصدار توضيحات، زاعماً أن ما ورد في الميزانية هو مجرد “تأويلات” وأن الأجور ستظل مركزية. لكن، وبشكل يثير الريبة، لم يساهم هذا التوضيح في رفع اللبس، بل زاد من حدته لأنه لم يقم بتعديل الإدراج بشكل حاسم وفوري في الوثيقة قيد المناقشة البرلمانية.
- التلاعب بالشفافية: إن إدراج أجور الموظفين ضمن نفقات التشغيل العامة في خطة ميزانية، ثم القول إنها “خطأ مادي” أو “تأويل”، هو دليل على غياب الشفافية في تدبير ملف حساس يمس الأمن الوظيفي لعشرات الآلاف من المهنيين. يُطرح السؤال: كيف يُمكن لمشروع ميزانية يمر عبر لجان متخصصة أن يتضمن “خطأ مادياً” بهذا الحجم؟
- تجميد الإصلاحات الجوهرية: تتفق النقابات على أن الحل الجزئي الذي تم اعتماده مؤقتاً في لجنة المالية لا يكفي. فالضمانة الحقيقية تكمن في تعديل ومراجعة القانونين 08-22 و 09-22 اللذين يشكلان الإطار التشريعي للمجموعات الصحية. هذا التلكؤ في تعديل القوانين يترك الوضعية القانونية للمهنيين معلقة ومُهددة، ويؤكد أن الوزارة تسعى إلى تسريع التنزيل البيروقراطي للإصلاح على حساب الأمن الوظيفي للموارد البشرية.
تتجاوز هذه الأزمة مسألة ميزانية عابرة لتمس الجوهر الفلسفي للوظيفة العمومية في قطاع الصحة.
- تذويب صفة الموظف العمومي: الهدف غير المعلن، حسب المحللين والنقابات، هو تذويب صفة الموظف العمومي في المجموعات الصحية، وتحويل الكوادر إلى “مستخدمين” يخضعون لأنظمة شبه خاصة أو تعاقدية تُديرها الهياكل الجديدة. هذا يفتح الباب أمام “لامركزية الأجور” التي تتنافى مع الضمانات التاريخية للوظيفة العمومية.
- خطر على المراكز الاستشفائية الجامعية: لم يقتصر الغضب على موظفي الوزارة المعنيين بـ (GTS) فقط، بل شمل أيضاً العاملين في المراكز الاستشفائية الجامعية (CHU) الذين يطالبون بتدارك الخلل القانوني في وضعهم المتعلق بمركزية الأجور ونظام التقاعد، مما يؤكد أن الإشكال شامل ومرتبط بالتنفيذ الكارثي للتحولات الهيكلية في القطاع.
في ظل هذا المشهد، ترفض الهيئات النقابية، بمختلف مشاربها، بشكل قاطع المساس بالحقوق المكتسبة والتهديدات المستمرة التي تطال الاستقرار الإداري والمهني والاجتماعي والمادي لمهنيي الصحة، وتطالب بـ فتح نقاش جاد ومثمر دون تأخير لتصويب البنود المجحفة وتعديل القوانين المؤسسة للمجموعات الصحية الترابية بشكل يضمن صفة الموظف العمومي ومركزية الأجور كركيزة للضمان الاجتماعي والمادي.






